«سعيد باشا».. هل حقا كان يحب المكرونة؟


بعد ثورة 1952م ظهرت بعض الأعمال الدرامية اللي تناولت اسرة محمد علي بصورة مغايرة للحقيقة، فظهر الوالي محمد سعيد باشا بصورة رجل بدين استطاع الخواجا «ديلسبس» انه يضحك عليه وياخد منه امتياز حفر قناة السويس بعد ما أكل طبق مكرونة بالصلصة وكان حلو!.. فهل فعلا الكلام دا حقيقي؟.. دا موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

8441

بعد اعلان مقتل والي مصر عباس حلمي باشا الأول في يوليو 1854م (للمزيد طالع هنا) أعلن بعض من انصاره احقية ابنه إلهامي في ولاية العهد بالمخالفة لفرمان عام 1841، وأرسلوا يستدعوه لخلافة والده، وأرسلوا كمان لمحافظ الأسكندرية اسماعيل باشا سليم انه يساعدهم ويحتجز محمد سعيد باشا (ولي العهد) في قصر القباري لحين اتمام تنصيب إلهامي باشا.. فرفض المحافظ وأخد الرسالة وطلع بيها على سعيد باشا وأطلعه على حقيقة الأمر، فخرج سعيد باشا مطالبا بحقه في ولاية العرش وذهب لقاعة العرش بقصر رأس التين وأعلن توليه السلطة وأقام له المحافظ حفل الجلوس (التنصيب) وأطلقت المدفعية في الأسكندرية والقاهرة احتفالا بالوالي الجديد، وسافر بعدها للقاهرة لتولي مهام منصبه الجديد.

ولد والي مصر محمد سعيد باشا في القاهرة عام 1822م، وأحاطه والده محمد علي باشا برعاية كبيرة، وأحسن نشأته بتعليمه اللغات العربية والتركية والفارسية ومبادئ الحساب وسافر عام 1835 مع البعثة المصرية لفرنسا لدراسة البحرية وهناك تعلم اللغة الفرنسية وأجادها تماما، وعاد من هناك وانتظم في سلك البحرية المصرية كفرد مقاتل تحت امرة قومندان الأسطول المصري، فنشأ فردا عاديا يعتاد النظام والطاعة قريبا من اقرانه البحارة المصريين يحيا حياتهم فنشأ على احترامهم ومحبتهم، ولما أتم فترة الأعداد تمت ترقيته لرتبة قومندان وصار أميرا على أحد الفرقاطات ويحمل لقب «بك» فلما تولى عباس الأول حكم البلاد صار سعيد باشا هو (سَر عسكر دوننمه) أو قائد عام الأسطول. وكانت لنشأة سعيد باشا العسكرية فضلا كبيرا في اكتسابه كثير من الصفات الحميدة، كالشهامة والشجاعة والصراحة والميل للخير مع التسامح، وقد عانى مثل باقي افراد اسرة محمد علي من جور سلفه عباس الأول ونفوره من اسرته، فنشأ ميالا العدل نافرا من الظلم والجور. ولأنه قد نشأ في فرنسا لفترة من الوقت، فكان ميالا للفرنسيين أكثر من الأنجليز، فاستعان بهم كخبراء واستشاريين بعد ان تم استبعادهم في فترة عباس الأول، كما أصدر قرارا بترقية الضباط المصريين بالجيش المصري بعد ان كانت ترقياتهم لا تتجاوز حدا معين، وتقتصر على الجراكسة والأرناؤوط.

وفي اغسطس عام 1858م أصدر «اللائحة السعيدية» والتي تعتبر اساس التشريع لتملك الأطيان (الأراضي الزراعية) وأول قانون للإصلاح الزراعي في مصر، والتي صارت تسمح للفلاحين المصريين بتملك الأراضي الزراعية لأول مرة في التاريخ!.. كما ألغى نظام احتكار الحاصلات الزراعية ومنحهم ايضا حرية الزراعة بعد أن كانوا ملتزمين بأصناف محددة من قبل الحكومة، فصار للفلاحين حرية في تملك الأرض والتصرف في المحاصيل وبيعها وقبض اثمانها مع دفع الضرائب المستحقة، كما أسقط ديون الفلاحين عن ضرائب متأخرة تم تقديرها ب800 ألف جنيه (مبلغ كبير في الوقت دا)، مع تأجيل الضرائب لمن لا يستطيع دفعها لحين بيع المحصول، فاستراح الفلاحين من اعباء قديمة وشعروا بقيمتهم فخفت الهجرة من الريف ورغب الناس الى استثمار اموالهم في الأطيان. كما أصدر أول لائحة للمعاشات لموظفي الحكومة المتقاعدين، فكانت الأساس المتبع في نظام المعاشات الى وقتنا هذا..

مدينة رشيد

ومن اعماله العمرانية كانت تطهير وتعميق ترعة المحمودية وكانت قد أصابها العطب لقلة الصيانة منذ انشاءها عام 1828 فطمر الطمي قاعها وسد مدخلها، فأسند اعمال التطهير الى مسيو موجيل كبير مهندسي الري، وأمده ب115 الف عامل لإتمام العمل، كما أنشأ طريقا زراعيا مجاور للترعة بعرض 10م، وقد أمر بالعناية بصحة العمال وتقليل عدد ساعات العمل فانقضى بالكامل في 22 يوم دون ان يموت اي منهم، بخلاف ماحدث ايام محمد علي باشا أو ما سيحدث لاحقا!!.. وكان اتمام العمل في فترة قصيرة بنجاح كبير هو ما شجع صديقه الفرنسي فيردناند ديلسبس ان يعرض عليه مشروعه ويطلب من الوالي تسخير الاف من العمال لحفر قناة السويس، وقد عرض عليه مشروع كامل متكامل بدراسة جدوى كبيرة، وأدخل أطراف خارجية للضغط على الوالي للموافقة الى ان حاز موافقته في النهاية، وبموافقته بدأ التدخل الأجنبي في البلاد المتمثل في قناة السويس وبداية الديون اللي بلغت في عهده 12 مليون جنيه دين داخلي وخارجي دون اي استثمار لمشاريع تدر دخل داخل البلاد زي ماهانقول بالتفصيل فتابعونا..

large-730028379643848800

كما استكمل محمد سعيد باشا اعمال السكك الحديدية بين القاهرة والأسكندرية والقاهرة والسويس، وكان بدأ في عهد عباس الأول وانتهى العمل عام 1856م وأنشأ خطوط التلغراف لأول مرة في مصر مجاورة لخطوط السكك الحديد، كما اصلح ميناء السويس وأمر بتوسيعها وانشاء احواضا عائمة واهتم بها لزيادة التجارة، كما أنشأ مخزنا واسعا للأثار المصرية وأسند مهمة الحفاظ عليها لميريت باشا (العالم الأثري المعروف)، وشجع العلامة محمود باشا الفلكي على اتمام نشاطه العلمي في رصد كسوف الشمس ووضع اول خريطة صحيحة للقطر المصري (خلاف ما وضعه علماء الحملة الفرنسية سابقا للمزيد طالع هنا) فنشطت حركة العمران وتوافد الأوروبيين على الأسكندرية والسويس والقاهرة، وصارت دار الوالي مقصد لكل أجنبي مغامر عنده مشروع جديد للتنفيذ في مصر، وكان يجزل لهم العطاء في المقابل وانفتحت البلاد على مصراعيها للتدخل الأجنبي، وكانت من أكبر عيوب الوالي محمد سعيد.

وقد أصلح حال الجيش المصري بعد فترة اهمال في اواخر عصر محمد علي وعباس الأول فامر بأحقية الضباط المصريين في الترقية كنظائرهم الأرنؤوط والشركس، كما أمر بتقصير فترة التجنيد لعام واحد فقط بدلا من خمسة اعوام وتعميمه على سائر المصريين اللائقين للجندية دون استثناء ورفض اعادة تجنيد من انهوا الخدمة العسكرية كما رفض تجنيد العبيد الذي سمع به عباس الأول، فأدخل الطمأنينة في نفوس الأهالي على ابنائهم المجندين، فأحسوا بالعدل وانخفضت اعداد الهاربين من التجنيد أو من يشوهون أنفسهم كالماضي!.. وينقل أحمد عرابي باشا خطبة للوالي محمد سعيد أمام الضباط في حفل غداء (مأدبة) اقامه لهم في ثكنات قصر النيل:

«.. وإني إذ اعتبر نفسي مصريا، فوجب عليّ أن أربي هذا الشعب العريق وأهذبه تهذيبا، حتى اجعله صالحا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة، ويستغني بنفسه عن الأجانب، وقد وطدت نفسي على ابراز هذا الرأي من الفكر الى العمل.. » مذكرات عرابي باشا (كشف الستار عن سر الأسرار).

كما أنشأ «القلعة السعيدية» في القناطر الخيرية، وزاد عدد الجنود في عهده من أقل من 18 الف الى أكثر من 55 الف جندي، ولكنه في 1856م أمر بتسريح معظم الجيش الا 6 فرق من المشاة فقط، وفريقين فرسان وفريقين مدفعية!.. وفي عام 1860 أزاد عدد الجيش من جديد الى 65 الف جندي وأمر باعادة تنظيم الألايات و الأورط (الفرق) ونشره في سائر البلاد واستحداث ثكنات جديدة في مريوط (الأسكندرية) ووادي النطرون والصعيد، بل وأقام مع الجنود في عديد من المعسكرات للإشراف على التدريبات والتحسينات، فكان مذبذب الرأي بدرجة كبيرة في هذه الفترة!.. كما وجه عنايته للأسطول، فلما عادت السفن معطوبة من حرب القرم 1856 (هانتكلم عنها بالتفصيل لاحقا فتابعونا) فأمر باصلاحها وعمل سفن جديدة ولكن انجلترا اوعزت للسلطان بما أمر به سعيد وذكرته بفرمان 1841 والذي ينص على عدم تصنيع سفن جديدة الا بأمر من السلطان شخصيا، فأرسل إليه فرمانا بالتوقف عن ذلك، فما كان من سعيد الا ان أمر بوقف صيانة السفن بل وأحرق المعطوب منها وتفكيك من يصلح منها والأنتفاع بخشبها وتسريح معظم ضباطها وبحارتها!!.. وتقدم اليه أحد المستثمرين النجليز بفكرة انشاء شركة للملاحة النيلية لنقل الأشخاص والحاصلات، فأمر بتضم الباقي من سفن الأسطول لها واستدعى بعض البحارة للعمل بها، فضعفت البحرية المصرية في الوقت الذي كانت أوروبا تستبدل سفنها الشراعية ببواخر لها محركات تعمل بالبخار.

640px-Russians_at_navarino.jpg

ونال السودان من عناية محمد سعيد باشا نصيبا كبيرا، بعد فترة اهمال كبيرة، فأوفد أخيه الأمير محمد عبد الحليم (ابن محمد علي باشا) مفتشا عاما على اقليم الجنوب، وذهب لزيارة السودان بنفسه عام 1857 واصطحب معه مرافقين كثير مصريين وأجانب، ونظرا لما شاهده من الظلم الواقع على اهل السودان فكر في اخلاء السودان ورجوع المصريين من هناك وتركهم وشأنهم (!!) ولكن الأهالي طلبوا منه الا يخلي البلاد ولكن يصلح شأنها، فأمر باسقاط المتأخر من الضرائب وتخفيف معظمها وربطها بالأنتاج، كما عزل الموظفين الترك وأنشأ مجالس محلية من رؤساء العشائر واهالي البلاد، وقضى بأطلاق سراح السجناء الا في القضايا الجنائية وأمر حكام الأقاليم بحسن معاملة السودانيين واعتقل كثيرا من تجار الرقيق لسوء معاملتهم للأهل وأنشأ نقاط عسكرية في نهر سوباط لمنع تجارة الرقيق. وأعاد تقسيم السودان الى  مديريات مستقلة تتبع وزارة الداخلية المصرية شأنها شأن مديريات مصر، وفكر في ربط الخرطوم بالقاهرة بخط سكة حديد يعمل مع نهر النيل على زيادة الأرتباط بين البلدين وتشجيع التجارة.

وعلى الرغم من مهادنته للباب العالي وتنفيذ اوامره قدر المستطاع، الا انه كان يميل الى التحرر من السلطة العثمانية وكثير التمرد عليها ففي عام 1861 وصلته اشارة من الأستانة بالمثول امام السلطان وكان لازما عليه الرحيل على الفور، ولكنه رفض وصار يبحث عن حجة مقبولة للرفض، فاصطحب معه بعض الجنود والمشاه والمدفعية وأبحر من ميناء السويس قاصدا الأراضي الحجازية وسار بالحملة الى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي، ثم عاد واستقل الباخرة وعاد الى السويس مرة اخرى!!..

ومع الأسف، لم يوجه محمد سعيد باشا عناية تذكر نحو التعليم كأبيه محمد علي باشا، وأسند أليه مقولة: «ان قيادة شعب من الجهلاء اسهل بكثير من قيادة نظيره من المتعلمين.. »!!.. فاستمر اهمال المدارس في عهده بل واغلاق الكثير منها، كما ألغى ديوان المعارف (وزارة التربية والتعليم) وألغى مدرسة الطب والمهندسخانة، ولم يرسل الى الخارج بعثات علمية سوى 14 طالب فقط، ولكنه في المقابل سمح للأرساليات الأجنبية بفتح مدارسها في سائر انحاء البلاد مثل راهبات الراعي الصالح والفرنسيسكان وراهبات الصدقة والدون بوسكو وخلافه، فانتشر التعليم الأجنبي في البلاد بدلا من التعليم الوطني، كما انتشرت في عهده المذاهب الجديدة على المسيحيين المصريين بعد أن سادت الكنيسة القبطية لعهد طويل، كالبروتستانتية والكاثوليكية والأدڤنتست وغيرها..

في عام 1862 سافر محمد سعيد باشا لفرنسا للعلاج من مرض اصابه، ونصحه الأطباء بالعودة للأسكندرية لقضاء ايامه الأخيرة في بلاده!.. فظل مقيما في قصر رأس التين ينتظر الناس وفاته لشهور عديدة، حتى توفى في 18 يناير 1863م عن عمر 42 عام، لتذهب الولاية الى ابن أخيه الشاب اسماعيل باشا ابن ابراهيم باشا بن محمد علي. وتم دفنه بمسجد النبي دانيال ولايزال قبره هناك عن فترة ولاية تزيد عن الثماني سنوات بقليل، اجتهد فيها الوالي في منح المصريين بعض من حقوقهم المسلوبة في حين فتح مصارع البلاد طولا وعرضا امام الأجانب وبدأ عصر الديون الخارجية فقضى على استقلال مصر!!.. في التدوينة القادمة ان شاء الله هانتكلم عن نظام الحكم السياسي في عهد سعيد الأول واللي يستحق اننا نفرد له تدوينة مستقلة، لأنه ساد في مصر طوال حكم اسرة محمد علي وحتى بعد ثورة 1952.. فتابعونا..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج1- دار المعارف 2008
  • عمر الإسكندراني وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني الى قبيل الوقت الحاضر – مكتبة مدبولي 1950
  • جورج يانج، تاريخ مصر من عهد المماليك الى نهاية حكم اسماعيل تعريب على شكري – مكتبة مدبولي 1996
Advertisements

2 thoughts on “«سعيد باشا».. هل حقا كان يحب المكرونة؟

  1. First of all I would like to say terrific blog!

    I had a quick question in which I’d like to ask if you don’t
    mind. I was curious to find out how you center yourself and clear your head before writing.
    I have had a hard time clearing my thoughts in getting my ideas out.
    I do enjoy writing but it just seems like the first 10 to 15 minutes are generally wasted just trying to figure out how to begin.
    Any recommendations or tips? Cheers!

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s