نهضة مصر الحديثة في عهد محمد علي باشا


تعتبر من مميزات عهد محمد علي باشا واللي تتضائل قدامها أي جرائم ارتكبها الباشا في حق مصر أو الأخرين، هي بناء مصر الحديثة من خلال عديد من الأصلاحات الأقتصادية والعلمية. فكان الباشا من حكام مصر القلائل اللي أمنوا بأهمية العلم والتعليم واستثمار ميزانية الدولة في تعليم الشباب.. واللي هانتكلم عن اصلاحاته بشيء من التفصيل في تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

تحدثنا قبل كدا عن طموح محمد علي باشا في تكوين جيش قوي لتثبيت دعائم دولته، وتطلب كدا تكوين جيش قوي من اضطر في وقت من الأوقات انه يكونه من ابناء المصريين (للمزيد طالع هنا) وتكوين الجيش يجب انه يكون من كوادر علمية وناس متعلمين (مهندسين واطباء ودارسين للعلوم العسكرية.. الخ) واحتاج كمان لمال وفير للأنفاق عليه، فوجه محمد علي باشا ناتج محصول القطن سنويا للإنفاق على الجيش، وللنهوض بمحصول القطن لزيادة الدخل، استدعى ذلك انشاء الطرق وحفر الترع وتغيير نظام الري المتبع واحداث انقلاب في الزراعة اللي كانت موجودة في مصر من الاف السنين. كل دا لازم يكون عن طريق ناس متعلمين دارسين وفاهمين.. يعني كل الطرق تدور في محور التعليم.

تولى «الباشا» حكم مصر في عصر ساد فيه الجهل بين اهلها (للمزيد طالع هنا) بعد ما وضع العثمانيين بين المصريين وبين التعليم حاجب كثيف وسد منيع يرجع الى مافطروا عليه من اعتزال العالم. فلما نادى محمد علي بضرورة تعليم المصريين وانشاء المدارس قابلته عدة اعتراضات اهمها اعتراض الأباء على  ارسال ابناءهم للمدارس، فلجأ الى منحهم وجبة غداء وراتب شهري للمتفوقين وكسوة، وأحيانا اضطر الى اقتياد التلاميذ بالسلاسل من بيوت اهاليهم عشان يتعلموا!.. والغريب انه كان منهم لاحقا افراد نبغوا وتألقوا وقامت عليهم نهضة مصر الحديثة.

محمد علي باشا

أسس محمد علي ثلاثة انواع من المدارس، ابتدائية وتجهيزية (ثانوية) وخاصة (لتعليم فرع واحد من العلم للنابهين من طلاب المدارس الأبتدائية والتجهيزية)، فبنى 50 مدرسة في أمهات المدن الرئيسية تخدم 11 ألف طالب بالإضافة لمدرسة لتعليم نخبة الأمة، عرفت بـ(كلية الأمراء) بها أكثر من 500 تلميذ. وأثرت المدارس في نواحي الحياة تأثيرا عظيما، فقضت مدرسة الطب التي أسسها كلوت بك (الطبيب الفرنسي) على عهد التمائم والسحر والرقي ووصفات العطارين ونشرت الطب وقدمت الشفاء لعديد من الأمراض كان محكوم على من يصاب بها بالأعدام!.. أسس كلوت بك مدرسة الطب في «أبوزعبل» بغرض تخريج اطباء لسد حاجة الجيش سنة 1828م وأسس مدرسة للطب البيطري للعناية بصحة الحيوانات المرافقة للجيش، وكان مدة الدراسة فيها اربع سنوات يدرس فيها الطالب كافة انواع الطب طبقا للمناهج الفرنسية. ومدارس أخرى كالهندسة (في الخانكة) تدرس هندسة الري والإنشاءات والعمارة، ومدرسة للموسيقى العسكرية (القلعة) كما أسس مدرسة للفنون والصنايع، وأخرى لتعليم اللغات الأوروبية (الألسن) ومعهد للمعلمين لسد حاجة المدارس التي أسسها، وعهد بها الى معلمين وطنيين وأجانب (ايطاليين وفرنسيين) وأنشأ قسم للترجمة لترجمة المناهج العلمية الفرنسية والأيطالية وتطبيقها في مدارس مصر، وأنشأ ديوان المعارف لتولى حركة التعليم.

بعثة سنة 1826

ومن مدارس مصر الخاصة اختار محمد علي النابهين من الطلبة لإرسالهم لبعثات علمية لفرنسا، ليستغنى شيئا فشيئا عن المدرسين الأجانب، فأرسل أول بعثة عام 1813 الى ايطاليا لدراسة الطباعة، ومن الغريب ان اباء الطلبة كانوا يسعون في استثناء ابناءهم من البعثات لكيلا يسافرون للخارج (للمجهول) واستعملوا كل الوسائل والتوصيات لحرمان اولادهم من ثمرة العلم، ورفض محمد علي وأرسل البعثة تلو الأخرى وأشهرهم عام 1826م وافتتح بها المدرسة المصرية في باريس وخصص كل واحد من الطلبة لدراسة فرع من افرع العلم، وارسل معهم أمام من الأزهر ليصلي بهم الفروض الخمس ويعلمهم اصول دينهم (رفاعة رافع الطهطاوي) وكان بها كثير من الأنجال (اسرة محمد علي) مثل اسماعيل بن ابراهيم باشا (الخديوي فيما بعد) وشريف باشا (ناظر النظار فيما بعد) وعلي مبارك باشا (ناظر الأشغال فيما بعد) والأمير مصطفى فاضل والأمير محمد عبد الحليم وحسن باشا الاسكندراني (قائد اسطول مصر فيما بعد) وغيرهم..، كما فتح البلاد أمام الدارسين الأجانب لدراسة اثارها تاريخها فنشأ علم المصريات على يد العالم الفرنسي شامبليون (للمزيد طالع هنا) وغيره، فتعلم العالم الكثير عن اثار مصر وحضارتها وتاريخها. حقا كانت مساعي محمد علي باشا في تحسين حال التعليم في البلاد من انجح اعماله في مصر، والتي أثرت كثيرا في تاريخ البلاد في الفترات اللاحقة.

2016-636117961985954715-595_main

وكان من اهم المجالات التي ولى لها محمد علي عنايته واهتمامه، كانت الزراعة لزيادة الثروة في البلاد. فطبق سياسة الأحتكار في مصر كلها بأن اعتبر نفسه المالك الوحيد لجميع الأراضي في مصر، ونزع ملكية كل الأراضي من اصحابها بعد ان طلب منهم ان يقدموا حجج الملكية، فضرب ببعضها عرض الحائط وعوض اصحاب بعضها بمال من الخزانة العامة وجمع كل الحجج القديمة وأعدمها، فصار في وقت معين من المستحيل معرفة ما كان للمماليك او لغيرهم من أملاك، حتى اراضي الأوقاف أخضعها لأشرافه المباشر دون ان يحل الوقف، فكان ينفق عليه مايحتاجه ويصادر الباقي للخزانة العامة، فلم تقوى المحاكم على معارضة «الباشا» حتى احكم قبضته على كافة ربوع مصر، وصار يمنح حق الأنتفاع بها لأهل القرى المحيطة أو لمن يشاء بمقابل مالي يدفع سنويا دون وسيط أو ملتزم، فأنهى نظام الألتزام القديم كي لا يفر أحد من دفع الضرائب!.. وقبض بيد من حديد على عصابات اللصوص الذين يفرضون اتاوات على الفلاحين مقابل زراعة الأرض وقطاع الطرق من يغيرون على المحصول اثناء انتقاله وأمر باعدامهم واعتقال ذويهم كيلا يطالبوا بثأر ابائهم او يؤلبون العامة ضدهم، فساد الامن وازدادت المحاصيل وانتشرت في كل ربوع البلاد.

ريف مصر

كما أمر «الباشا» كل مديري المديريات بمسح الأراضي الزراعية لديهم، وتقدير عدد الضياع بكل ناحية، لتقدير الضرائب الباهظة والتي تعد من أكبر مساؤئ عهد محمد علي!.. وكان من عادته ان يعيّن انواع المحاصيل الزراعية التي تزرع في كل بقاع مصر ثم تؤخذ هذه المحاصيل في شُوَن تابعة للحكومة لبيعه والتصرف فيه من خلالها. وقد أدخل محمد علي عددا من الزراعات الجديدة الى مصر كزراعة القطن 1820م وبعض المحاصيل الأمريكية كالذرة والبطاطس والطماطم، بالإضافى الى النيلة (الصبغة) والخشخاش والقنب (لاغراض طبية) والموالح بأنواعها واشجار التوت لأنتاج الحرير. وعلى الرغم من وفرة المحاصيل الزراعية وزيادة الناتج السنوي منها الا ان الفلاح لم يستفيد بالمرة من هذا لشراء الحكومة منه السلع بثمن بخس وبيعها بأثمان باهظة للتجار و المنتفعين.

واهتم محمد علي باشا ايضا بالصناعة لزيادة الدخل والتقليل من التبعية للأجانب لقلة الأستيراد، لتصنيع ما يحتاجه الجيش من منسوجات وملابس وجلود واسلحة وغيرها، وبدأ ينافس في الأسواق العالمية في صناعة المنسوجات، فأنشأ عدة معامل في امهات المدن للغزل والنسج (قطن وصوف وحرير وكتان) وتبييض الأقمشة والصباغة وتصنيع الجوخ والطرابيش، وكذا معامل للسكر في الصعيد (موطن زراعة القصب)، ووجه عناية كبيرة لزيادة ثروة الأغنام لتصنيع الصوف، كذلك عمل العديد من المسابك لصناعة السلاح والمدافع لزوم الجيش والأسطول. ولكنه حارب الصناعات الخاصة، وطالب اصحابها باغلاقها والعمل لدى المعامل والمصانع التي تنشئها الحكومة، فكانت من مساوئ عهده ومثار لسخط العامة!.. وبعد تكلف مصر الكثير في حملة الشام وحروبه ضد الباب العالي تم اغلاق اغلب هذه المصانع خلال الأزمة المالية عام 1844م، فكتب أحد المهندسين الأنجليز يصف دار الصناعة ببولاق عقب وفاة محمد علي (عام 1849م) ان بها لوازم وماكينات مهملة تربو قيمتها عن 1.2 مليون جنية!!

bolak-2.jpg

ومن اهم الأنشاءات بمصر في عصر محمد علي كانت ترعة المحمودية والتي شقها «الباشا» محل ترعة الأسكندرية القديمة مع تغيير المأخذ من فرع رشيد، ووسع جوانبها وزود الغاطس بها لتساع اكبر السفن وسماها «المحمودية» نسبة للسلطان محمود الثاني فزادت التجارة وانتعشت مدينة الإسكندرية وزادت رقعتها الزراعية بعد ان كان قد هجرها الناس نهاية العصر العثماني (للمزيد طالع هنا). كما أنشأ ميناء الأسكندرية برصيف بحري لتقف عليه السفن بدلا من وقوفها في عرض البحر، وأنشأ أحواض لإصلاح وصيانة السفن، فانتعشت التجارة من جديد بمصر وزاد عدد التجار الأوروبيين بها. كما أنشأ القناطر الخيرية للتحكم في ري الأراضي بالدلتا وتوزيع مياه النيل بفرعي رشيد ودمياط، فكانت من أجل واعظم مشاريع محمد علي باشا، كما حفر مزيدا من الترع الجديدة والريَّاحات في طول البلاد وزاد من عرضها لتحسين طرق الري طوال العام بدلا من ري الحياض وقت الفيضان، وأنشأ عديدا من السدود الصماء لتوزيع المياة نهاية كل ترعة. وفي سبيل ذلك سخر محمد علي ألافا من الفلاحين لإنشاء تلك المشاريع بمقابل مالي زهيد كان لا يتعدى المأكل والمشرب اغلب الأحيان، ففتك بكثير منهم وكانت من أكبر مساوئ عهده!..

كما فكر محمد علي باشا في انشاء كثير من المشروعات الكبيرة كمشروع شق قناة السويس وانشاء سكك حديد تربط القاهرة بالأسكندرية بالسويس لجذب جميع طرق التجارة العالمية الملاحية والبرية للمرور من مصر، وقال في حديث له مع احد قناصل الدول: «انني اريد ان أجعل وادي النيل طريقا دوليا»، وعن مشروع قناة السويس قال: «ستكون بسفورا أخر..» أي ستكون مثار نزاعا بين الدول!.. وقد تم اهمال اغلب تلك المشاريع بدءا من عام 1844م بسبب الأزمة المالية، وتم اغلاق البعض الأخر في عهد الوالي عباس الأول (عهد الرجعية) لميلة الى عدم الاستعانة بالاجانب.

InterviewwithMehemet-

وبالنسبة لنظام الحكم، فقد بدل محمد علي باشا نظام الحكم في مصر تماما، وصاغ نظاما بيروقراطيا مركزيا ظل مطبقا في الدوائر الحكومية لوقت قريب، فبدأ بتنفيذ النظام الذي ادخله نابليون في مصر، فاتخذ ديوانا خديويا (أميريا) لإدارة شئون البلاد التي لا يفصل فيها القاضي الشرعي (السلطة القضائية) ويتولى الديوان احكام سيطرته على البلاد عن طريق مخافر الشرطة (قره قولات)، كما انشأ ديوان المشورة من اعيان مصر لعرض الأمور والقرارات عليه بشكل شبه صوري قبل اصدارها لتخفيف عبء المسئولية عليه امام الشعب وقناصل الدول، وأنشأ مجلس النظار (الوزراء) للأجتماع مع رؤساء الدواوين (الوزارات) لمتابعة اهم القضايا كلٌ فيما يخصه واصدار التوجيهات كديوان العسكرية وديوان الصناعة وديوان البحرية وديوان التجارة وديوان الأشغال وهكذا..، كما تم تقسيم مصر الى سبع مديريات وقسم كل مديرية الى عدة مراكز بلغت 64 مركزا وقسَّم كل مركز الى عدد من القره قولات (الأقسام). وكان محمد علي يتولى ادارة كل هذه الدواوين والمجالس بنفسه، منفردا بالسلطة دون غيره، ويفاوض قناصل الدول ويتعامل معهم بنفسه ويسمع شكاوى الرعية ومطالبهم بنفسه (بلا وسيط)، ويتصرف في مالية البلاد بنفسه، ويقوم باصدار الأوامر بانشاء المشروعات العامة بنفسه، فكان عهده قمة الديكتاتورية التي عرفتها مصر في اي فترة من تاريخها الطويل.

وقد بلغت ميزانية الحكومة في عام 1821م بمبلغ 1.2 مليون جنيه دخل والمنصرف اقل من ذلك بكثير، في حين بلغت ضعف هذا الرقم في 1833م وبلغ المنصرف مبلغ 2 مليون جنية تقريبا!.. وفي عام 1838م بلغ الدخل العام 4.5 مليون جنيه في حين كان المنصرف 3.5 مليون تقريبا، وفي 1844م قل الدخل فبلغ أقل من مليون جنية في حين تخطت المصروفات حاجز الثلاثة ملايين ونصف فحدثت الأزمة المالية التي نتجت عنها اغلاق كثير من المصانع وتسريح الاف العاملين!..

ميزانية الحكومة 1833.jpg

اجتهد محمد علي باشا في النهوض بمصر بشتى السبل لأسباب افردها أغلب المؤرخين على انه كان يصنع مجدا شخصيا له ولأسرته من بعده، فأصاب في أمور وأخطأ في كثير، وعانى الشعب من جراء سياسته الكثير والكثير، ودفع فاتورة حروبه الى جانب وضد الباب العالي بالكامل من دمه وماله، ولكن لو تناولنا عهده مجملا لا تفصيلا، لكان من أزهى العهود التي مرت على تاريخ مصر القديم والحديث كعهد تحوتموس الثالت والظاهر بيبرس والسلطان قايتباي وغيرهم من حكام مصر العظام..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، دار المعارف 1987
  • عمر الأسكندراني وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني الى قبيل الوقت الحاضر، مكتبة مدبولي 1916
  • د. عبد الرحمن زكي، التاريخ الحربي لعصر محمد علي الكبير، الهيئة العامة للكتاب 1950
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s