نهاية عصر محمد علي باشا


كان لإنتصار القوات المصرية انتصارا ساحقا وتاريخيا على الجيش التركي في نصيبين (نزيب) دوي رهيب، في كل من أوروبا والأستانة والقاهرة، وكان لزاما على الدول الأوروبية التدخل حماية للدولة العثمانية (الرجل المريض) من ان يلتهمه محمد علي باشا وولده ابراهيم باشا القائد العظيم المنتصر انتصارا يلو الأخر، ودا كان حفاظا على المسألة الشرقية (للمزيد طالع هنا).. النهاردا هانتكلم تفصيلا عن نهاية محمد علي المأساوية وازاي انتصرت عليه الدول الأوروبية.. خليكو معانا..

قبل ماتوصل نبأ الهزائم للأستانة، بيموت السلطان محمود الثاني كمداً ويتولى خلفا له السلطان عبد المجيد الأول، والذي يسند بدوره الصدارة (رئاسة الوزراء) خورشيد باشا والي مصر السابق وغريم محمد علي القديم ويأمره بالتعامل المباشر معه!.. ولأنه كان مكروها بين الساسة في تركيا، فقد أعلن اغلب قادة الجيش التركي ولائهم لمحمد علي وجيشه هربا من الصدر الأعظم الجديد ونكاية فيه، وعلى رأسهم أحمد فوزي باشا قبودان الأسطول التركي، وكان قد ابحر بأسطوله من الدردنيل لمؤازرة الجيش الشاهاني في نزيب جنوب الأناضول، ولكنه ذهب الى الأسكندرية مانحا اسطول بلاده لمحمد علي (20 بارجة حربية تحمل 21 ألف جندي من مشاة البحرية العثمانية) فاستقبله الباشا استقبالا اسطوريا ومنحه اقامة في قصر رأس التين، واعتبر اسطوله اكبر غنيمة في حرب الأتراك!.. وكتب ابراهيم باشا الى والده في مصر ينبئه بانتصاراته يخبره انه سيكمل زحفه الى الأستانة لأنه خيرا أن يبدأ المفاوضات من هناك على ان يبدأها من مكانه، فإنزعج محمد علي باشا ورفض وأمر ابنه بالأنتظار لتبيان موقف الدول الأوروبية ولعله خطأ فادح من الباشا كان كفيلا بتغيير مجرى التاريخ الى اليوم!..

وعلم سفراء دول أوروبا بالأحداث المتعاقبة السريعة واستولى عليهم الهلع بعد سلسلة من الأحداث المتعاقبة بدءا من اعلان محمد علي نية الأستقلال في 1838م فراحوا يقنعون محمد علي بضرورة اعادة الأسطول العثماني لبلاده ووقف تقدم ابراهيم باشا في جنوب الأناضول، وكذلك منع السلطان العثماني من اجراء اي تفاوض مع محمد علي وولده الا من خلالهم!.. وانعقد مؤتمر لندن في يوليو 1840م من انجلترا والنمسا وبروسيا وروسيا لدراسة الموقف، وتحفظت فرنسا وأعلنت دعمها لمحمد علي، وفي 15 يوليو صدر قرار المؤتمر باتفاق الجميع الى ضرورة انسحاب محمد علي من الأناضول وشمال الشام الى عكا ودمشق، وضغطاً على والي مصر أنذروه ان لم يقبل بذلك فإن القرار سيكون بالأنسحاب الى حدود مصر الشرقية!.. وبالطبع يرفض محمد علي باشا قرارات المؤتمر ويرسل لملك فرنسا لويس فيليب طالبا منه التدخل وتدعيم موقف مصر، ولكن ذلك الأخير يتلقى نصيحة من انجلترا والنمسا بإلتزام الحياد!..

وضخت قرارات مؤتمر لندن مزيدا من الدماء في الجسد المحتضر، ففي اغسطس 1840م أعلن الباب العالي خلع محمد علي وولده من ولايات مصر والشام والحجاز والسودان، كما طلب من روسيا والدول الأوروبية التدخل بالقوة لتنفيذ فرمانه، وبالفعل تحركت اساطيل دول التحالف لمحاصرة سواحل الشام في الوقت الذي تحرك خورشيد باشا ببعض الجواسيس ودعاة الثورة في بيروت وعكا، بمجرد أن ظهرت السفن الأوروبية في الميناء حتى اعلنوا الخروج عن الحكم المصري وانقضوا ثائرين على الحامية المصرية هناك!.. فأرسل محمد علي مرة اخرى الى القنصل الفرنسي، وارسل لأبنه أن يحافظ على مكتسباته حتى تحرك فرنسا، ولما لم يصل الرد من فرنسا مع ورود انباء على تقدم جيوش الحلفاء في مواني بيروت وعكا وصيدا، فأرسل محمد علي باشا في أكتوبر 1840م لأبنه ان ينسحب من كامل الشام، فانسحب ابراهيم باشا ب62 الف مقاتل غير 20 ألف من المدنيين، أتم انسحابهم في اواسط ديسمبر، ويلوم ابراهيم باشا ابيه كثيرا في عديد من الرسائل التي نقلها العديد من المؤرخين، متهما اياه انه بتردده واعتماده على الدعم الفرنسي، قد حرمه ان ينعم بثمرة انتصاراته المتعاقبة على الأتراك. فالتفاوض من الأستانة من المؤكد ان شروطه ونتائجه لن تكون كمثيله من جنوب الأناضول!.. وختاما ارسل الباشا اربعة سفن من الإسكندرية لحمل الجنود ومن معهم من مواني يافا وغزة، ليغادرها أخر جندي مصري في 19 فبراير 1841م.

InterviewwithMehemet-

وظهرت السفن الأوروبية في مياه الأسكندرية وكان محمد علي باشا في قصر رأس التين، فقابله القنصل الأنجليزي يحمل رسالة من اللورد هنري بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا وزعيم ساسة اوروبا في المسألة الشرقية ومهندس القضية المصرية التركية، ينصحه فيها بالإذعان للسلطان العثماني دون قيد أو شرط، واعادة الأسطول العثماني للأستانة، على ان يتولى اقناع السلطان ان يبقي على ولاية مصر وراثية في أبناءه الذكور!!.. فقبل محمد علي باشا مرغماً، ولكنه تحرج من تسليم أحمد فوزي باشا قبودان لغريمه خورشيد باشا، فلجأ إلى اغتياله بالسم وتسليمهم جثته!!.. وفي يناير 1841م أرسل محمد علي باشا الى السلطان العثماني عبد المجيد الأول منشورا يعترف فيه بالخضوع والأذعان لسيادة الباب العالي ويلتمس منه العفو، فكان ذلك ايذانا بانتهاء النزاع بانتصار السلطان العثماني ماديا ومعنويا على محمد علي!.. وما أن وصلت الرسالة فأرسل بالمرستون يطلب من السلطان بالإبقاء على محمد علي ومنحه ولاية مصر وراثية في ابنائه، فامتثل السلطان لقرار الحلفاء.

500px-1879-Ottoman_Court-from-NYL

وفي 13 فبراير صدر فرمان عام 1841م بشروطه المجحفة وتشمل:

  • العفو عن محمد علي باشا وولده وتعيينه واليا على مصر والنوبة ودارفور وكردفان وسنار وجعلها ولاية وراثية في أكبر ابناءه سنا على ان يحضر أي والي (بما فيهم محمد علي باشا الى الأستانة للمثول بين يدي السلطان والتنصيب رسميا هناك ويمنح درجة «وزير».
  • يكون والي مصر ملتزما بكل القوانين الرسمية الصادرة في الدولة العثمانية وكذا كل المعاهدات والأتفاقيات التي يعقدها السلطان.
  • للوالي الحق في تكوين جيش من المصريين على الا يزيد عن 18 ألف جندي في وقت السلم وفي وقت الحرب تكون زيادته بمعلومية السلطان.
  • للوالي أيضا الحق في عمل سفن للأسطول ولكن بموافقة السلطان نفسه.
  • تكون مدة التجنيد بالجيش والأسطول لا تتعدى خمس سنوات يسرَّح الجندي بعدها ولا يعود للتجنيد أبدا.
  • يلتزم العسكر ومشاة البحرية بالزي الرسمي والرتب العسكرية للجيش العثماني ويسير تحت لواء الدولة العثمانية بلا اختلاف عنه.
  • يكون من حق الوالي منح الرتب العسكرية للجنود والضباط حتى رتبة (صاغ) على ان تمنح الرتب الأعلى من السلطان نفسه!..
  • يكون تحصيل الضرائب باسم الجناب السلطاني على ان يدفع رُبعها للأستانة سنويا والثلاثة ارباع يوجَّه للوالي والجيش والأصلاحات الداخلية.
  • يكون من حق مصر ضرب العملة على ان تكون نفس عملة الدولة العثمانية وتحمل اسم السلطان ولها نفس الوزن والعيار.

وقبل محمد علي باشا تلك الشروط مرغما ولكنه التمس من المفاوضين تخفيف بعضها، فقبل السلطان وتساهل معه في شروط الضرائب ومنح الرتب العسكرية لضباط الجيش حتى رتبة (أميرآلاي) ومنحه درجة الصدراة العظمى بدلا من وزير، واستعد محمد علي باشا للسفر الى الأستانة لتنصيبه رسميا طبقا للفرمان، وهناك إلتقى مع خورشيد باشا غريمه القديم (يونيو 1846م) فتعانقا طويلا متناسين الماضي، وكذلك أحسن السلطان لقاءه وأكرمه بناءا على توصية من بالمرستون!.. ولكنه عاد من هناك يعاني امراضا عديدة سببت شحوب وجهه وقلة وزنه وذهاب عقله.

وتنازل محمد علي باشا على الحكم لحفيده عباس باشا ابن ولده طوسون، بعد وفاة ابراهيم باشا في نوفمبر 1848م، وسافر عباس حلمي باشا (الأول) للأستانة لتنصيبه في حين أقام محمد علي باشا في قصر رأس التين في حالة يرثى لها حتى وفاته في 2 أغسطس 1849م، ودفن بالقاهرة في المدفن الذي اعده لنفسه بمسجده بالقلعة (أحد اهم واكبر معالم القاهرة اليوم) لينتهى عصر شهدت فيه مصر محاولة للتقدم ومواكبة العصر الحديث من التنوير والعلم والأستقلال عن التبعية العثمانية ويبدأ عصر جديد يشهد كثيرا من الرجعية والتَّبعية للعثمانيين والدول الأوروبية، سنوالي الحديث عنه بالتفصيل عبر تدوينات عديدة لاحقة فتابعونا ..

640px-L_C_Tiffany_Cairo_Mosque_1872

وقد ترك محمد علي باشا اسرة كبيرة استطاعت بموجب فرمان 1841م تثبيت اقدامها في حكم مصر والسودان لأكثر من 150 عاما، في ظل السيادة العثمانية ومن بعدها الإحتلال الأنجليزي، حتى قيام ثورة 1952 وتنازل الملك فاروق الأول عن الحكم كأخر حاكم من الأسرة العلوية الكبيرة

الزوجة/المستولدة

الأبنـــــــــــاء (الذرية)

أمينة هانم علي

إبراهيم باشا (بطل حروب الشام)

أحمد طوسون باشا (قائد حملة الحجاز الأولى)

إسماعيل كامل باشا (قائد حملة السودان)

توحيدة هانم

نازلي هانم

شمس صفا قادين

فاطمة هانم

رقية هانم

أم نعمان قادين

نعمان بك

عين الحياة قادين

محمد سعيد باشا (والي مصر فيما بعد)

ممتاز قادين

حسين بك

ماهوش قادين

علي صديق بك

نام شاز قادين

الأمير محمد عبد الحليم

زيبة خديجة قادين

محمد علي باشا الصغير

شمع نور قادين

زبنب هانم

أوقمش قادين

نايلة قادين

جلفدان قادين

قمر قادين

*قادين: كلمة تركية بمعنى محظية أو خليلة الأمير ممن ملكت يمينه، وكانت تسمى (مستولدات) أي يلدن البنين فقط.

8441

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، دار المعارف 1987
  • عمر الأسكندراني وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني الى قبيل الوقت الحاضر، مكتبة مدبولي 1916
  • د. عبد الرحمن زكي، التاريخ الحربي لعصر محمد علي الكبير، الهيئة العامة للكتاب 1950
Advertisements

3 thoughts on “نهاية عصر محمد علي باشا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s