كيف حكم محمد علي ووَلَده بلاد الشام


بموجب اتفاقية كوتاهية انسحب الجيش المصري من اراضي الأناضول عدا أضنة، في حين اعترف السلطان محمود الثاني بأحقية محمد علي باشا في ولاية مصر والسودان والحجاز وعدن والشام وكريت يحكمها تحت لواء الدولة العثمانية، وقد قبل السلطان بالمعاهدة مرغما، وكيف لا وقد جرَّد لمحاربة محمد علي ثلاثة جيوش وذلك الأخير يحقق النصر يلو الأخر حتى طرق بجنوده ابواب الأستانة؟.. مما دعا السلطان لطلب حماية الروس!.. النهاردا هانكمل كلامنا عن الحكم المصري في الشام، وهانجيب معلوماتنا من الدراسة الرائعة للدكتورة لطيفة محمد سالم (الحكم المصري في الشام) وهانشوف كمان ازاي كانت نهاية الحكم دا.. خليكو معانا..

بعد معركة قونية صدر قرار محمد علي باشا بتعيين ابراهيم باشا حكمدار (حاكم عسكري) وشريف باشا سَردار (حاكم مدني) لبر الشام، وأطلق يدهما معا في تنظيم الأدارة بها، وكان حكم إبراهيم باشا إصلاحيًا للغاية، وكان بصورة غير معتادة لبلاد الشام بعد جباية وذل العثمانيين..

  • أولا: وحد الضرائب على الشعب ومنع الإقطاع من فرض ضرائب إضافية خاصة بهم، وقد بلغت الضرائب 500 قرشًا للأغنياء، وتنخفض لتصل إلى 15 قرشًا لأشد الناس فقرًا (تصاعدية).
  • وثانيا: ألغى التقييدات المُذلة بالملبس والمسكن عن المسيحيين واليهود، وكذلك ألغى الجزية، وسمح ببناء الكنائس وترميم القديم منها، وألغى الضرائب القاسية على كنيسة القيامة التي وصلت في السابق حدًا أخذت معه الرهبنات المشرفة على الكنيسة بيع أملاكها لسداده.
  • وثالثا: أجرى نظامًا مركزيًا للإدارة في البلاد غير النظام العثماني، وكانت تبعية جميع الولاة ومديرو المناطق مباشرة لسلطة الحاكم المدني، وأنشأ في المدن مجالس محلية من سكانها لإدارة شؤون الأحياء، فكانت تلك المرة الأولى التي حكم بها الشعب نفسه في العصر الحديث.
  • رابعا: عمل على توطين البدو حول حلب ودمشق وإشغالهم بالزراعة، وارتفاع عدد أنوال الحرير والعناية بالقطن وتصديره. كما ألغى الجمارك بين الولايات لتشجيع حركة التجارة والبيع. فعادت البلاد بفضل هذه الإصلاحات مركزا رئيسيا لأوروبا لاستيراد الأقمشة على اختلافها.
  • خامسا: إنشاء محاكم تجارية خاصة.
  • سادسا: أجرى أول إحصاء سكاني في البلاد السوريّة.
  • سابعا: أراد جر مياه نهر العاصي إلى حلب، ولما لاحظ وفرة الأراضي الصالحة للزراعة وغير المستثمرة، أعفى من يستثمرها من الضرائب لتسع سنوات، فأخذت غوطة دمشق وريف حمص وحلب وأنطاكية من جديد تزخر بالأراضي الزراعية.
  • ثامنا: اهتم إبراهيم باشا بتربية الجياد، وقد أسس ما يشبه شركات المساهمة بين البدو والحكومة بحيث أنفق على تربيتها والعناية بها مبالغ كبيرة.
  • تاسعا: عمل على تأسيس البريد والاتصالات بين المدن وتأمين القوافل بين القرى والشعاب الجبلية دون الحاجة إلى تسليح القوافل مما كانت أهم مستحداث الحكم المصري في بلاد الشام.

______2597520_orig.png

رغم الإصلاحات العديدة دي، فرضت الإدارة المصرية على اهل الشام التجنيد الإجباري في الجيش، ودا أثار تذمر الشعب وبعد أن كانت بلاد الشام حتى وقت قريب ملاذ الفلاحين المصريين الهاربين من سياسة محمد علي والتجنيد الأجباري، واللي كانوا نقلوا لأهل الشام صورة بائسة عن جمع الأنفار من المدن والقرى وحالة الجند في الجيش داخل مصر. فلما ابتدا عسكر إبراهيم باشا جمع الناس للجيش في المدن السورية شاملاً  كل الرجال بين 16 و60 عامًا لفترة أقلها خمس سنوات قابلة للتمديد، فرفض الشعب!.. بث الحكم المصري بـ(التجنيد الإجباري) رعبا شديد وكراهية عظيمة بين الشوام، برغم كل الإصلاحات واللي كانت هاتفيد المنطقة من نواح كثيرة، إلا أن ثمنها كان يدفع «ضريبة دم» مرهقة جدًا!.. فبلغ عدد الفارين من محمد علي أكتر من 100 ألف سوري نحو العراق وشبه الجزيرة العربية وبادية الشام حيث مضارب البدو، وكمان فروا لقبرص والأناضول، ناهيك عن سياسة الأحتكار اللي طبقها محمد علي على بعض السلع في سوريا زي الحرير والقطن وخلافه، مما أثر على الحياة الإقتصادية في الشام. ولكن السلطات المصرية اتخذت قرارات تعسفية لمواجهة الثورة، فأصدر الباشا قراره بتحمل سكان الحي أو القرية أو المدينة ضرائب المهاجرين (الفارين) منهم!.. ودا أدى إلى ارتفاع الضرائب بمعدلات عالية للغاية فوق طاقة احتمال الفرد، أدت إلى زيادة الحنق الشعبي على الحكم المصري.

640px-الجنود_المصريون_يقسمون_الولاء

وكعادتهم منذ قديم الأزل، بث العثمانيون دعاة للثورة بين المدن الشامية لتأليب العامة ضد حكم محمد علي وولده، فثارت نابلس والخليل والقدس عام 1834، وثارت بعلبك واللاذقية وبشري عام 1834، والدروز في حوران عام 1836 ودرعا عام 1837 وذلك “بسبب إهانة كبير عشائر حوران من قبل مندوبي الباشا بعد أن طلب إعفاء أبناء حوران من الجندية نظرًا لأهمية سواعدهم في حصاد القمح” كما ورد في عديد من المصادر، ولم يتمكن جيش إبراهيم باشا من إخضاع درعا بعد أن لم يعد من كتيبة قوامها 4000 جندي سوى 40 جنديًا في حين قتل الحورانيون الباقي، ولم تقمع ثورة درعا إلا بعد تسميم المياه التي كانت تشرب منها زي مابيقول قسطنطين باسيلي اللي عاصر الفترة دي!..

download

ولما عرف محمد علي باشا بضعف موقف ابنه في الشام، فجهز مدد من الجند والذخيرة والمؤن وسافر للشام فب اكتوبر 1834م فنزل في يافا وبدأ باستمالة رؤوس الثورة بمعاونة الأمير بشير الشهابي هناك، فانتصر على اهل نابلس ولكن ظلت ثورة النصيرية والدروز شوكة في حلق محمد علي وولده!.. ورجع محمد علي الى مصر وهو ينوي أن يفجر قنبلة تدوي في الأستانة وأوروبا معا، فجمع قناصل الدول في قصر راس التين عام 1838م وأعلن انه ينوي استقلاله بولاياته عن الدولة العثمانية، ويطلب التمهيد لذلك ودراسة العواقب، فانزعج قناصل الدول وطلبوا منه عدم الإستقلال الا بعد الرجوع لحكماتهم لدراسة الموقف دراسة جيدة.

الجيش التركي موقعة قونية

ولم تتوقف المفاوضات بين محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني طوال فترة سيطرة المصريين على بلاد الشام، فهو لا يطيق مجرد ذكر اسم محمد علي أمامه!!.. وفي مجلس الحرب اللي عقده في يناير 1839 قرر السلطان شن الحرب على واليه المتمرد العنيد وجهز جيش من 87 الف مقاتل بقيادة الصدر الأعظم حافظ باشا عثمان، في حين كانت أوروبا منشغلة بخلافاتها حول بلجيكا، إلا أن أحداث الشرق المتسارعة جذبت انتباهها واتفقوا على الحد من قوة محمد علي في مواجهة السلطان، في حين اختلفت فرنسا معهم واللي كانت مؤيدة لمنح محمد علي حكم الشام، ألا ان الجميع طلب من السلطان ومحمد علي بالوصول الى حل بالمفاوضات وليس بالحرب!.. فرفض السلطان وبدأ زحف القوات لجنوب الأناضول، ووصلت الأنباء لمحمد علي وهو في زيارته للسودان، فقفل عائدا وأصدر بيان بعدة لغات (عربية وتركية وفرنسية وانجليزية) ووزعه على قناصل الدول، يتبرأ فيه من كل المشاكل التي تؤدي الى استخدام السلاح لحل مشكلته مع السلطان، واعلن انه مازال يمد يده بالسلام، ولكن ان أصر السلطان على القوة فلا بديل عنها!.. وجُنَّ جنون السلطان محمود من البيان، وقال: «إنني أفضل الموت على التراخي في إخضاع ذلك المارق العاصي..»!!!..

Battle_of_Nezib

وفي يونيو 1839م تجمع الجيش التركي عند «سيواس» من بلاد الأرمن بقيادة حافظ باشا، واتحل بلدة «بيرچِك» وبدأ في التحصينات قرب «نصيبين» (نزيب، بلدة على نهر الفرات)، ووصلت الأنباء لإبراهيم باشا عن طريق عيونه في الأناضول في الوقت الذي وصل فيه المدد من أبيه فتقدم نحو الترك بقلب جامد، وعند «تل باشر» حدثت مناوشات بين الباشبوزق السلطانية وفرسان الجيش المصري، فأدرك خلالها سليمان باشا الفرنساوي (أركان حرب الجيش) التحصينات الهامة اللي عملها حافظ باشا عند نصيبين (نزيب) تحميها سبع مدافع ميدان، فتبين له صعوبة اقتحامها، ونقل الموقف لأبراهيم باشا واللي كانت فكرته بالدوران حول المعسكر واحتلال المواقع اللي ماحصنوهاش الأتراك ومهاجمتهم منه، وبدأ بالتحرك بقواته فعلا ولمحه القواد البروسيين (الألمان) اللي كانوا مع جيش حافظ باشا، واقترحوا عليه سرعة الخروج ومهاجمة المصريين اثناء تحركهم غير مستعدين للحرب ومثقلين بالمدافع والمؤن قبل ما يصلوا للمناطق الخلفية، لكن حافظ باشا رفض الخروج من تحصيناته خوفا من مواجهة المصريين خارجها وقرر أن تحدث المواجهة من مكانه، من قلب التحصينات!!..

Battle_of_Nezib_map.JPG

كانت قوي الجيشين متقاربتين تقريبا.. الجيش المصري كان قرابة 50 الف مقاتل تحمية 162 مدفعا، ولكن حافظ باشا قائد الجيش العثماني أجهد قواته في حفر الخنادق واقامة المعاقل والحصون، ولكن جيش ابراهيم باشا كان أتم نظاماً وأكثر ممارسة للقتال. وكان ابراهيم باشا ورئيس أركان حربه سليمان باشا علي رأى واحد، بعكس حافظ باشا وقادته البروسيين (الألمان) فقد كانا دوما علي رأيين متباينين!.. ارتكب حافظ باشا خطأ آخر بعدم سيطرته على الطرق المحيطة والجسر اللي إستخدمه جيش إبراهيم باشا للعبور والإلتفاف حول الجيش العثماني، وعندما أتم الجيش المصري الإلتفاف بدأ حافظ باشا بمهاجمة الجناح الأيسر للمصريين بالمدافع، وتقهقر ابراهيم باشا من ناحية، ومن ناحية تانية قرر تنفيذ هجوم من الجناح الأيمن لجيشه مع مجموعة من الفرسان وأرغمتهم المدفعية التركية على العودة!.. وهنا أضاع حافظ باشا فرصة ذهبية لتحقيق نصر خاطف عندما لم يلاحق فلول المصريين المنسحبين فأعطى فرصة لأبراهيم باشا لأعادة تنظيمهم والعودة بهم للمعركة. وبعد أن تبين مواقع القوات التركية بدأ يضرب المعسكر كله بالمدافع قصف بلا رحمة!.. فأدت القذائف المصرية إلى الفتك بفرسان الجيش العثماني وباقي قواته وهروبهم بلا نظام فانتشرت الفوضى في صفوفه، عندها أمر إبراهيم باشا بهجوم قلب الجيش المصري وميسرته على الأتراك تحت غطاء نيران المدفعية المصرية وفتحوا نار بنادقهم بكثافة على الجنود الأتراك المشتتين المرتبكين في ساحة المعركة فإنسحق الجيش (الشاهاني) العثماني خلال ساعتين زمن من القتال، ثم أوقف ابراهيم باشا النيران ومنح فلول الجنود الأتراك فرصة للهرب الى مرعش!!…

وبكدا سيطر إبراهيم باشا على المعسكر ومدافعه (145 مدفع من أصل 160) وجزء من خزينة الجيش (مال وذخيرة وخططه العسكرية ورسوماته) إضافة أسر من 10 إلى 15 ألف أسير. وصل عدد القتلى في صفوف الأتراك إلى حوالي سبعة آلاف قتيل. في حين كانت خسائر المصريين 4 الاف بين قتيل وجريح. وفتحت هذه المعركة أبواب الأناضول مجددًا أمام إبراهيم باشا للمرة الثانية خلال ثماني سنوات، وبناءا على أوامر من القاهرة اكتفى ابراهيم باشا بالسيطرة على بعض تخوم سورية الشمالية من نزيب إلى أورڤة (الرها) والبَيرة وعِنتاب وانتهاءاً بمرعش (بوابة الأناضول). وقد جاء في رسالة ابراهيم باشا لوالده عن المعركة:

«اقتفي فرساننا أثر الهاربين فأسروا أورطاً بأكملها، وسلم كثير من الضباط وسبعة باشوات. والمقدر أن حافظ باشا لا ينجو من أيدي الفرسان. والذين أخذناهم أسرى في ساحة القتال خمسة آلاف ومنهم سليمان باشا والي مرعش وجيشه بأكمله، فخيرناهم بين الرجوع الى وطنهم وبين الانخراط في سلك جيشنا، فقبل خمسة الآف دخول جيشنا فسيرناهم في الحال الى الاسكندرية، واتجه شطر من الجيش المخالف الفار الى نهر الفرات. وقد فات حافظ باشا أن يمد القناطر علي مجرى ذلك النهر، فمات 12 الف غرقاً وهم يعبرونه سباحة. واعتصم قسم كبير من هذا الجيش في جبال عينتاب، فقتلهم البدو والكرد والتركمان.»

Mouhamed_ali_army&navy

وهكذا أبيد الجيش التركي وغَنِمَ المصريون أسلحته شبه كاملة، ووافق الاف الاسرى علي نقل ولائهم الى الجيش المصري فتم تسييرهم الى مصر، وصار الطريق مفتوحا امام ابراهيم باشا لدخول الأستانة واسقاط السلطان، ومات السلطان محمود الثاني وتولى خلفا له السلطان عبد المجيد الثالث وكان لا يزال صبيا (17 عاما) وتولى الصدراة خورشيد باشا (والي مصر السابق) وعلم الاسطول العثماني بهذا الامر فتوجه قبودانه أحمد فوزي باشا الى الاسكندرية بمصر ليسلم اسطوله كاملا الى محمد علي ليكون تحت امرته، نكاية في خورشيد باشا، وخوفا على مصيره بعد توليه الصدارة!.. وبكدا تركيا تبقى خسرت جيشها وأسطولها للمرة التانية في مواجهتها لمحمد علي وولده خلال 8 سنوات. فما كان موقف السلطان العثماني والدول الأوروبية؟.. دا موضوع تدوينتنا القادمة فتابعونا..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، دار المعارف 1987
  • لطيفة محمد سالم، الحكم المصري في الشام، مكتبة مدبولي 1999
  • عمر الأسكندراني وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني الى قبيل الوقت الحاضر، مكتبة مدبولي 1916
  • د. عبد الرحمن زكي، التاريخ الحربي لعصر محمد علي الكبير، الهيئة العامة للكتاب 1950
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s