عباس باشا الأول.. وحقيقة عهد «الرجعية» في مصر


هو ابن طوسون باشا بن محمد علي. لم يرث عن جده محمد علي باشا مواهبه وعبقريته، ولم يشبه عمه إبراهيم باشا في قيادته الحربية وبطولاته أمام الأتراك، كان خاليا من كل المزايا والصفات التي تؤهله لأن يكون حاكما عظيما لمصر!!.. النهاردا كلامنا عن عباس حلمي باشا الأول والي مصر.. خليكو معانا..

Abbas_Helmy_Pasha_I

يعتبر عباس الأول هو أول حكام الأسرة العلوية الفعليين خلفا لجده محمد علي باشا، اذا استثنينا ابراهيم باشا عمه لكونه توفي في حياة والده، وقد تولى عباس السلطة في حياة جده محمد علي باشا في نوفمبر عام 1848م، وحكم البلاد لخمس سنوات ونصف أطلق عليها اغلب المؤرخين (عهد الرجعية) في مصر لكونه اغلق كثيرا من المدارس والمصانع التي انشأها جده، كما أنهى خدمة اغلب الأستشاريين الأجانب التي اوكل لهم جده مهمة النهوض بحركة الصناعة والتجارة في مصر. كان في مدينة جدة مقيما بها عندما توفي عمه إبراهيم باشا والي مصر وقتها، فاستدعوه إلى مصر ليخلفه على سدة الحكم تنفيذًا لنظام تداول السلطة في فرمان عام 1841 الذي يجعل ولاية الحكم للأرشد فالأرشد من أسرة محمد علي (للمزيد طالع هنا).

8441

ولد عباس حلمي الأول بمدينة جدة عام 1813م حيث كان والده طوسون باشا في حروبه مع الوهابيين (الحملة الأولى للمزيد طالع هنا)، ثم انتقل لاحقًا مع ابيه إلى القاهرة، ومات والده الأمير طوسون عام 1816 فاحتضنته جدته أمينة هانم زوجة محمد علي باشا ودللته كثيرا فمانعت في ارساله للخارج مع البعثة المصرية خوفا عليه، فكان حظه من التعليم بسيطا، وعبثا حاول جده محمد علي باشا أن يوليه شيئا من العناية في تدريبه على ولاية الحكم لأنه كان أحد أكبر أفراد الأسرة العلوية سنًا وبالتالي أحقهم بولاية الحكم بعد عمه إبراهيم باشا، فعهد إليه بالمناصب الإدارية والحربية. وتقلد من المناصب الإدارية منصب مدير مديرية الغربية، ثم منصب الكتخدائية (رئاسة الوزراء). فوجده غير كفء بل كان له من التصرفات ما ينم عن القسوة والغشم!.. وكانوا يبلغون جده بأفعاله فينهاه ويوبخه ويحذره من عواقب تعاليه على الناس والبعد عنهم، ولكن طبيعته الناتجه من ضألة حظه في التعليم وفطرته في التعالي على الناس كانت تتغلب على نصائح جده وأوامره.

subra_palace.jpg

وقد شارك عباس الأول مع عمه إبراهيم باشا في حروب الشام (للمزيد طالع هنا) بقيادة إحدى الألايات (الفيالق) ولكنه لم يتميز فيها بعمل يدل على البطولة أو الكفاءة الممتازة. وبالتالي لم يكن لافتا للنظر خلال معارك الشام المشهورة. وكان عمه إبراهيم باشا لا يرضيه منه سلوكه وميله إلى القسوة، وكثيرًا ما نقم عليه نزعته إلى التعالي وإرهاق اهالي الشام، حتى ضج من جميع افراد اسرته واعتزلهم، فسافر الى جدة محل ولادته وأقام بها وحده، وهناك تعرف على بعض دعاة الوهابية وعرف كثيرا من تعاليم المذهب السني الحنيف، وظل هناك إلى أن داهم الموت عمه إبراهيم باشا، فدعوه لتولي السلطة.

______2597520_orig

وكان عباس الأول قبل واثناء فترة حكمه مكروها من افراد اسرته، كونه كان غريب الأطوار، شاذًا في تفكيره، لا تستطيع التنبؤ بأفعاله أو ارادته!.. كثير التطير والإيمان بالخرافات وقراءة الطالع وما شابه، ميال إلي القسوة في معاملة الأخرين، سيئ الظن بالناس حتى أقرب الأقربين، يتوهم ان الجميع يتأمر عليه!.. ولهذا كان كثير ما يأوي إلى العزلة، ويحتجب بين جدران قصوره. وكان يتخير لبنائها الجهات الموغلة في الصحراء أو البعيدة عن الأنس، فترك سراي الخرنفش وسراي الحلمية بالقاهرة، حيث بني قصرًا بصحراء الريدانية التي تحولت لاحقا الى (العباسية) أحد أشهر أحياء القاهرة حاليا والتي سميت باسمه، وكانت في ذلك الوقت في جوف الصحراء، وقد شاهد الميسو فرديناند دي لسبس قصره سنة 1855 فراعه ضخامته وذكر أن نوافذه بلغت 2000 نافذة، وهذا وحده يعطينا فكرة عن عظمة القصر وإتساعه، فكأنه بني لنفسه مدينة في قلب الصحراء، كما بني قصرًا أخر نائيًا في ناحية الدار البيضاء الواقعة بالجبل على أول طريق السويس ولا تزال أثاره باقية إلى اليوم (معروضة في الصور). وقصرا اخر بناحية العطف ذكره على مبارك باشا في الخطط، كما بني قصرًا في بنها العسل على ضفاف النيل بعيدا عن المدينة، وفيه تم اغتياله لاحقا.

ويحكي أغلب المؤرخين أن عباس الأول قد أساء الظن ايضا بكثير من رجالات محمد علي باشا وإبراهيم باشا ومساعديهم في السلطة وقيادة الجيش، وخيل له الوهم أنهم يتآمرون عليه ويريدون قتله، فأساء معاملتهم وأبعد الكثير منهم نفيا الى اقاصي السودان، حتى المعلمين بالمدارس (منهم رفاعة رافع الطهطاوي) التي أغلق الكثير منها وسرح التلاميذ وأبطل ارسال البعثات العلمية للخارج!.. فابتعد عنه الكثير من أنفسهم خوفًا من بطشه، وسافروا لأماكن عديدة في اوروبا والأستانة، وظل كذلك طوال مدة حكمه. وبلغ به الأمر إنه حاول قتل عمته الأميرة نازلي هانم ابنه محمد علي باشا لأنه ظن انها تتآمر عليه، وبعد نجاتها من الموت هاجرت إلى الأستانة وظلت هناك حتى وفاته.

150824021826_mohamed_ali_shubra_palace_640x360_bbc

وقد سعي عباس الأول مع السلطان العثماني في أن يغير نظام وراثة العرش ليجعل ابنه إبراهيم إلهامي باشا خليفته في الحكم بدلًا من عمه محمد سعيد باشا (والي مصر فيما بعد) ولكنه لم يفلح في مسعاه، ونقم على عمه سعيد الذي كان بحكم سنه وليًا للعهد واتهمه بالتآمر عليه، واشتدت بينهم العداوة حتى أضطره عباس إن يلزم الأقامة الجبرية في الإسكندرية بسراي القباري حتى وفاته. وقد انتشرت الجاسوسية في عهد عباس الأول انتشارًا مخيفًا، فكان كل من يريد بعضا من المال أن يطلب مقابلة الوالي ويشي اليه ان فلانا يتآمر عليه!.. فيجد أذانا صاغية وعطاءا جزيلا وطلب باستمرار المراقبة، فصار الرجل لا يأمن على نفسه من صاحبه او صديقه!.. وكان من يغضب عليه الوالي ينفيه إلى أقاصي السودان ويصادر أملاكه بالكامل.

2016-636117961985954715-595_main

وكان مولعًا بركوب الخيل والهجن (الجمال)، ويقطع بها المسافات البعيدة في الصحراء في رحلات صيد أو سفاري تدوم لشهور!.. وله ولع شديد باقتناء الجياد العربية الأصيلة حيث كان يشتريها من الحجاز والشام (ينسب اليه انه أدخل سلالات عريقة من الخيل العربية لمصر)، ويعني بتربيتها عناية كبرى ويبني لها الاصطبلات الضخمة وأنفق عليها بسخاء شأنه شأن هواة الخيل.

muhammadali8

في عام 1849 قام عباس حلمي باشا الأول بتشكيل المجلس الخصوصي وعدل اسمه إلى «ديوان محافظة مصر»، وفي العام نفسه قام عباس باشا بتشكيل مجلس الأحكام، وكان يشارك المجلس الخصوصي في السلطة التشريعية، كما كان يشرف بنفسه على السلطة القضائية، ولكن يختلف عهده تماما عن عصر محمد علي، فان حركة النهضة والتقدم والنشاط التي امتاز بها جده قد تراجعت في عهده، وهناك ظاهرة أخرى للفرق بين العهدين، إذ أن محمد علي كان يستعين بذوي العلم والخبرة من الفرنسيين في معظم مشاريع الإصلاح، لكن عباسا كما قلنا كان حظه ضئيل من التعليم فكان لا يجيد الفرنسية، فكان يشعر بالضئالة أمام أولئك الخبراء والفنيين، فرفض التعامل معهم وقام بإقصاء معظمهم واستغني عنهم تماما، وهكذا تضائل النفوذ الفرنسي في مصر خلال عهده، ولم يعد إلى الظهور إلا في عهد خلفه محمد سعيد باشا. وعلى العكس من انحسار النفوذ الفرنسي، فقد بدأ النفوذ الإنجليزي في عهده ازديادا على يد القنصل البريطاني في مصر مستر مري، حيث كان له تأثير كبير عليه وله عنده كلمة مسموعة. والسبب الحقيقي لذلك حدث نتيجة المصادفة، حينما علم القنصل الماكر بفشل سعي الباشا لدى السلطان العثماني لتغيير ولاية العهد في اولاده فاوهمه انه يستطيع التأثير على الباب العالي لتغيير نظام وراثة العرش كما يريد، وظل يستغله بها طيلة حياته!.. ويقول بعض المؤرخين إنه كان يستعين به وبالحكومة الإنجليزية ليمنع تدخل الدولة العثمانية في شئون مصر، إذ كانت تريد تطبيق القانون الأساسي المعروف بالتنظيمات على مصر وكان عباس باشا يرفض ذلك.

السكك الحديدية في مصر

وفي عهده منح امتيازا لشركة انجليزية لعمل أول مشروع سكة حديد في مصر عام 1852م بين القاهرة والأسكندرية والسويس، فكان أول مشروع للقطارات في الشرق بأكمله وثاني مشروع بالعالم بعد الهند (للمزيد طالع هنا)، كما قام بمنح أحد المستثمرين الأنجليز امتيازا لعمل اول مصنع للثلج في مصر عام 1851 بناءا على توصية من القنصل الأنجليزي، كما قام عام 1849 بتجديد جامع ومدرسة القاضي عبدالحفيظ بدار الخرنفش، وأنشأ جامع العشماوي، وكان في البداية زاوية صغيرة يقيم بها الشيخ درويش العشماوي، وقام بتجديد جامع السيدة سكينة عام 1850، وفقا لما ذكره المؤرخ على مبارك في كتابه «الخطط التوفيقية».

ثكنات الجيش بالعباسية 1901.jpg

وفي عهده منح أصحاب النفوذ حق التهرب من اداء الخدمة العسكرية أو التجنيد الألزامي الذي فرضه جده محمد علي باشا على عموم المصريين ولم يسمح بالتهرب منه ولو بتشويه خلقه، فكان يطلب من راغبي التهرب من التجنيد تقديم احد العبيد بدلا منه بشرط ان يكون في سن مناسبة وصحيح البدن، فعرف قانونه بـ«تجنيد العبيد»!.. وكان مناسبا لإهمال الجيش وخفض عدد الجنود إلى 18 الف جندي طبقا لمعاهدة لندن وفرمان عام 1841 (للمزيد طالع هنا)، كما أهملت البحرية المصرية (ترسانة الأسكندرية وبولاق) كتب أحد المهندسين الأنجليز يصف دار الصناعة ببولاق ان بها لوازم وماكينات مهملة تربو قيمتها عن 1.2 مليون جنية!!

عبد_الرحمن_بن_عبد_الوهاب_مع_الشيخ_حمد_والشيخ_عيسى_بن_علي.jpg

وخلال فترة اقامته في مدينة جدة، تعرف عباس الأول على بعض من دعاة الوهابية، وأمن بالكثير من تعاليمهم، وحينما تولى السلطة عام 1848م، أصدر أمره بالإفراج عن أحد أبناء الشيخ بن عبد الوهاب وكان سجينا في السجون المصرية بعد أسره في معارك الحجاز 1818م. كما نسب اليه بعض المؤرخين أنه قام بإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شوارع القاهرة والأسكندرية وبنها، كما كان يصرف رواتب لأمراء العائلة المالكة ليرغبهم في أداء الصلوات الخمس في وقتها ويمنع الرواتب عمن يصله انه ترك الصلاة كما ذكر الأمير محمد علي توفيق في كتابه «مجموعة الخطابات والأوامر الخاصة بالمغفور له عباس الأول». كما يذكر نوبار باشا (ناظر نظار مصر فيما بعد) في مذاكرته قيام عباس باشا بإصدار أوامره بحياكة شفتي إحدى نسائه لأنها مارست التدخين في جناح الحريم مما يعني أنها خالفت تعاليمه!!..

oldegypt-19.jpg

وقد كثرت الروايات عن عباس الأول في كتب المؤرخين الأوروبيين، الذين ساءهم منه اعتزاله الأجانب الذين كانوا يسعون بنشاط في نشر نفوذهم إلى سائر مرافق البلاد، فأعرض عباس عن كثير منهم من دون أن يقوي الروح الوطنية في البلاد، أو يستعين بالمصريين، فألقوا على عهده سحبا كثيرة من الغموض. ويذكر ياسر ثابت في كتابه «قبل الطوفان – التاريخ الضايع للمحروسة» أن عباس باشا قد بلغ سوء الإدارة في عهده حدًا ليس له مثيل، فلم يكن هناك مال لرواتب الموظفين فكانوا يقبضون مرتباتهم على هيئة تذاكر أو صكوك (اعتراف رسمي بالمبلغ المستحق) وليس نقدًا، وكان الموظفون يبيعون هذه الصكوك لليهود بخسارة تصل إلى 15 أو 20 وأحيانا 30% من قيمتها، مما أثر على الحياة الأقتصادية في مصر. كما قام عباس باشا بطرد الموظفين الأقباط من وظائفهم ونقل كثيرين منهم إلى السودان لكراهيته اياهم!.. ونظرا لعدم إشرافه المباشر (بعكس جده محمد علي باشا) على إدارة الأقاليم عن قرب، فقد أثر ذلك في فساد أجهزة الإدارة بها، فانتشرت الرشوة وأساء مشايخ القرى والعمد استغلال سلطاتهم في جمع الأنفار للسخرة والأشغال العامة والتجنيد.

1458_135441604750babfaf53076ويذكر المنصفين لعباس باشا الأول (مثل الأستاذ الرافعي) انه يكفيه انه لم يفتح ابواب مصر للتدخل وازدياد النفوذ الأجنبي كما فعل خلفاءه سعيد واسماعيل، وانه ترك الخزانة العامة عامرة (بها مايقارب المليون فرنك) دون ان يستدين مليما واحدا. ويذكر الرافعي روايتين لمقتل عباس باشا في بنها في يوليو 1854م دون ان يرجح احداها..

  • الأولى على يد مماليكه الذين قد أغدق عليهم بالرتب والمنح، ثم سلبهم ذلك بوشايه من احد مماليكه، فتكالبوا عليه اثناء نومه في وكتموا انفاسه. أي انها مكيدة من الخدم.
  • والثانية ان الأميرة نازلي ابنه محمد علي باشا لما نجت من محاولته لاغتيالها وهربت على الأستانة فقد دبرت من هناك لأغتياله بدس مملوكين عليه يقومان بقتله والهرب في نفس الليلة قبل ان يكتشف الجميع موته في الصباح، وقد كان!..

1200px-Muhammad_Said_Pascha_1855_Nadar.jpg

وأيا كانت الحقيقة فهي نهاية لوالي ظل حبيس نظرية المؤامرة طيلة حياته حتى كانت نهايته بمؤامرة مدبرة!.. ليتولى بعده الوالي محمد سعيد باشا.. ولنا معه تدوينة اخرى.. فتابعونا..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج1، دار المعارف 1988
  • جمال بدوي، محمد علي وأولاده، الهيئة العامة للكتاب 1999
  • زين العابدين شمس الدين نجم، مصر في عهدي عباس وسعيد، دار الشروق 2007
  • ياسر ثابت، قبل الطوفان التاريخ الضائع للمحروسة في مدونة مصرية، كتاب ميزان 2007
Advertisements

One thought on “عباس باشا الأول.. وحقيقة عهد «الرجعية» في مصر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s