نبذة عن .. «المسألة الشرقية»


لما تكلمنا عن تاريخ محمد علي باشا ناس كتير سألتنا ايه اللي يحشر الدول الأوروبية في شأن دول شرقية لا تتبع لها من قريب أو من بعيد؟.. خصوصا بعد فشل الأستعمار الفرنسي لمصر ورحيل القوات الفرنسية بخفي حنين!.. فقررنا النهاردا اننا نخرج بره موضوعنا شوية ونلقي مزيد من الضوء على ما عرف بـ(المسألة الشرقية) عشان الناس تفهم أكتر احداث كتيرة في تاريخ مصر في القرن 19.. خليكو معنا..

150313185230_western_art_to_stop_fearing_the_east_512x288_heritageimagepartnershipltdalamy.jpg

المسألة الشرقية (Eastern Question) ببساطة شديدة هي: «مشكلة اوروبية تتعلق بوجود العثمانيين المسلمين في قلب أوروبا المسيحية، وترى بوجوب طردهم منها واستعادة القسطنطينية من العثمانيين بعد سقوطها في 1453م وتهديد مصالح الدول الأوروبية في كل المنطقة». ومؤخرا تم استخدام المصطلح بمعنى: «تصفية أملاك رجل أوروبا المريض (او الدولة العثمانية) في البلقان وأوروبا الشرقية»… يعني الكلام بدأ بوازع ديني بحت، ولكنه انتهى بوازع استعماري يبحث فقط عن الثروة والنفوذ، يعني ايه الكلام دا؟.. نشرح بالتفصيل..

بعد دخول العثمانيين لاسطنبول سنة 1453م ونظرا للموقع الإستراتيجي للمدينة العريقة عند ملتقى القارتين الأوروبية والآسيوية في نفس الوقت وعلى البحرين الأسود والأبيض المتوسط، خلق الحدث ارباك وخوف وقلق في نفوس الأوروبيين المسيحيين ورجال الدين يومها من انتشار الإسلام في أوروبا من ناحية مضيقي البوسفور والدردنيل، بعد فشل الحروب الصليبية وطرد الأوروبيين من الشرق، وبعد ما كان الإسلام دخل لأوروبا قبل كدا من ناحية مضيق جبل طارق في العام 711م من جنوبها الغربي… الأندلس!

و بالفعل بدأ العثمانيين يتوسعوا غربا في شبه جزيرة البلقان، فاستولوا على جزيرة رودس في 1522م وحاصروا فيينا مرتين 1529م و 1532م (حصار فيينا) واحتلوا صربيا في نفس العام والبوسنة في 1463م، وكمان توسعوا في الوطن العربي ابتداء من 1516م فبدأ البعد الديني ياخد شكل أكبر في الصراع بين المسلمين والمسيحيين، حتى في الدول الشرقية اللي دايما تنظر لأوروبا انها تتأمر على الأسلام. فأصبح من الضروري طرد العثمانيين المسلمين (الآسيويين) من أوروبا، وتحريرها أبديا من الإسلام!.. خاصة بعد تدهور الدولة الإسلامية في شبه جزيرة إيبيريا وطرد المسلمين منها بسقوط غرناطة آخر معقل للمسلمين في الأندلس (للمزيد طالع هنا).

فيرناندو الثاني وايزابيلا ملك أسبانيا

وعليه، بدأ الأوروبيين يحطوا خطط لتصفية الوجود الأسيوي (الأسلامي) في أوروبا عبر صراع امتد لسنوات، واتخذ الصراع دا اسم (المسألة الشرقية) وكان على عدة مراحل أهمها:

  • المرحلة الأولية: وقامت على تعميق الحقد والكراهية للرأي العام الأوروبي ضد الدولة العثمانية عبر حملات اعلامية تبث الكراهية من طرف الدول والجماعات الدينية والكنيسة المسيحية ونشر قصص عن (الإجرام) العثماني في حق أوروبا (قصص مختلقة عن معارك انتصر فيها العثمانيين أو محاولات لأرغام سكان البلقان مثلا على الأسلام)، لكن الممارسة والتطبيق أصعب من الكلام، لأن الدولة العثمانية وقتها كانت من القوة ومناعة الموقع أن جعلت من الرغبة الأوروبية في طردها أمرا مستحيلا وبعيد المدى!.. فاضطرت الممالك المسيحية الى التأقلم مع الوضع لفترة..

22365_1255788875

  • مرحلة التمهيد: أي التمهيد لطرد العثمانيين فعلا، باقامة علاقات مع الدولة العثمانية و الحصول على بعض الامتيازات للأوروبيين والبعثات المسيحية التبشيرية والثقافية والتجارية، ودي بدأت لما ظهر ضعف الدولة العثمانية نهاية القرن 17، تارة بالضغوط على السلاطين ضعاف الشخصية وتارة بالمهادنة مع حكام الولايات الأقوياء (علي بك الكبير مثلا للمزيد طالع هنا)، مما وسع مناطق النفوذ الأوروبي في كل ولايات الدولة العثمانية، وكان التناسق والتكامل بين مختلف المجالات دقيق ومدروس بصورة عالية جدا!.. يعني نلاقي ان المرحلة دي بدأت عمليا بعد الامتياز اللي حصلت عليه فرنسا من السلطان العثماني سليمان القانوني في 1535م بإعطائها الحق في حماية المسيحيين الكاثوليك والأماكن المقدسة لهم في كنيستي القيامة والمهد بالقدس (بعد فشلهم في حمايتهم عسكريا وطردهم عام 1290م). وطبعا ماوقفتش كل من بريطانيا وروسيا يتفرجوا بل راحوا للسلطان هما كمان وطلبوا نفس الشيء لكن في أماكن تانية، وإلى جانب الامتيازات الدينية حصلوا على امتيازات تانية تجارية واقتصادية زي مثلا فتح السوق العثماني للبضاعة الأوربية واتفاقيات عسكرية زي اللي حصلت مع علي بك الكبير في وقت كانت الدولة العثمانية بتحارب الروس نهاية القرن 18، وطبعا كان بناءاً على عديد من المواثيق والعقود الموقّعة خلال الفترة دي.
  • مرحلة التصفية والاقتسام: ودي كانت بعد تحرر ممالك أوروبا عامة من سيطرة الكنيسة، فبدأ الوازع الديني يختفي قليلا و لكن يظهر بدلا منه النزعة الأستعمارية للسيطرة على اراضي جديدة، وبدأت في البلقان بالاستقلال أو طلب الحكم الذاتي بضغط سياسي أو تدخل عسكري عند الضرورة (كحرب اليونان 1828م وحرب القرم 1856م) بإجبار الدولة العثمانية على منح الاستقلال لليونان بهدف منحها فرصة للانفصال لاحقا من خلال نشر الأفكار القومية هناك، وكمان احتلال للأراضي العثمانية الممتدة في الوطن العربي وشمال أفريقيا. لغاية ماتم التنفيذ الفعلي بعد الحرب العالمية الأولى.

وتخللت المراحل الثلاثة فترات زمنية أجبرت القوى الأوربية على المحافظة على الكيان العثماني (رغم ضعفه ضعفا شديدا) من السقوط، لأستخدامه حائل (أو سور) لدفع بعض القوى الأوربية انها تكبر وتتمدد.. يعني ايه؟..

محمد علي باشا.jpg

بعد ما بدأت روسيا في الظهور كقوة عظمى في اوروبا نهاية القرن 18 تقريبا، دفع الاوروبيين الدولة العثمانية الى محاربتها وتم تقوية الكيان العثماني لكي لا يظهر تأثير الروس على البحر المتوسط وتعيق طرق التجارة وتقطع الروابط بين انجلترا مثلا ومستعمراتها في الهند!..

واثناء الحرب بين محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني اواسط القرن 19 انحازت القوى الأوروبية ضد محمد علي واتخذت صف الأستانة حفاظا على الكيان الضعيف (اللي هما قادرين يسيطروا عليه) ان يسقط في يد كيان قوي (مايقدروش يسيطروا عليه)!.. بعد أن استنجد السلطان محمود الثاني بقيصر روسيا نيكولاس الأول وطلب مساعدته بعد اجتياح الجيش المصري للأناضول عام 1832م وفتح البسفور للاسطول الروسي لحامية بلاده وعرشه!.. وهنا قررت انجلترا وفرنسا والنمسا انها تتدخل للحد من النفوذ الروسي في المنطقة، وحافظت على الوجود العثماني كسد (أو سور) يختفي من خلفه الروس!..

وفي نفس الوقت يتم انتزاع املاك العثمانيين شوية بشوية، فإنتزعت اقليم اليونان وحصل على حكم ذاتي عام 1828م واحتلت فرنسا الجزائر عام 1830م واحتلت انجلترا مصر عام 1882 وبدأ الوجود الفرنسي في الشام نهاية القرن 19  وتدخلت ايطاليا رسميا في ليبيا عام 1911م الى ان جاءت الحرب العالمية الأولى فتم تصفية الكيان العثماني وتحديد حدوده في تركيا الحالية، وخلق دولة علمانية تحارب الفكر الأسلامي في كل انحاء تركيا..

151

هل فهمنا يعني ايه المسألة الشرقية؟.. المسألة اللي دفعت الدول الأوروبية للحفاظ على الكيان العثماني (الضعيف) لقرون عديدة رغم انها عايزة تقضي عليه تماما، بس دا كان للمحافظة على الممالك والحدود في الدول الأوروبية ان تتغير نوعا ما.. ولكن في وقت معين كان لازم تنهي الدولة العثمانية وتقتسم ممتلكاتها ودا اللي حصل فعلا بعد الحرب العالمية الأولى وهايكون لنا تدوينات لاحقة تتكلم عن الأمور دي بالتفصيل.. فتابعونا.

مراجع:

  • محمود ثابت الشاذلي، المسألة الشرقية دراسة وثائقية عن الخلافة العثمانية، مكتبة وهبة 1989م
Advertisements

3 thoughts on “نبذة عن .. «المسألة الشرقية»

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s