السنوات الأولى من حكم محمد علي باشا


بعد تولية محمد علي باشا رسميا في يوليو 1805م بوصول مرسوم الباب العالي، اكتشف الباشا ان سلطته مازالت مزعزعة الأركان!.. لأن خزانة الدولة خاوية والجنود الباشبوزق (المرتزقة) عايزين مرتبات، وفي نفس الوقت مش هايقدر يجبي من الناس فلوس غير المعتادة عشان يدفع مرتباتهم المتأخرة، أو يترك لهم العنان للنهب والسلب زي ماتعودوا قبل كدا.. ومن ناحية تانية كان الباب العالي مش مستريح لوجوده في مصر لأنه تولى السلطة غصب عنه وهوا مش متأكد من ولاءه.. والمماليك عايزين يخلعوه من الحكم بأي وسيلة، والأنجليز بيدعموهم لأغراض استعمارية!.. هايعمل ايه محمد علي باشا عشان يخرج من الأزمة دي؟.. دا موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

لما وصل خبر تعيين محمد علي باشا لمحمد بك الألفي زعيم المماليك (للمزيد طالع هنا) حصلت له حالة جنون!.. لأنه من الأول متابع اللي تصرفات وتحالفات محمد علي باشا من أول ما حط رجله في البلاد، فكان يتحالف مع العثمانيين مرة ومع المماليك مرة ومع زعماء الشعب مرة.. فتأكد له مدى خطورة وجوده على المماليك لكونه هايبقا حجر عثرة في طريقهم، فأرسل الألفي بك الى رؤساء الجند الأرناؤوط (الألبان) يطلب منهم المعاونة والإنقلاب على محمد علي باشا وعشمهم بمكاسب كتيرة لو ساعدوهم، وعلم محمد علي بالامر فطلب من الأرناؤوط مجاراة المماليك واستدراجهم لغاية مادخل منهم كتيبة فيها حوالي 1000 مملوك من ابواب القاهرة في أكتوبر 1805م، فاتقفلت الأبواب وفتح العساكر النار على المماليك فمات منهم كتير وفر الباقي في الشوارع ولجأوا للحيلة للهروب من القاهرة وانتهزها محمد علي فرصة وأعلن الحرب عليهم وخرج جيش من الأرناؤوط بقيادة حسن باشا لمحاربتهم واعتقالهم فين مايكونوا!.. فأتصل محمد بك الألفي بالأنجليز ورفع تقرير بخطورة وجود حاكم زي محمد علي على مشاريع انجلترا الأستعمارية في مصر واللي تعهد الألفي بك بتنفيذها لو وصل للسلطة!.. فتدخل القنصل الأنجليزي في الأستانة لدى الباب العالي وقدر في اوائل عام 1806م انه يستصدر منه فرمان بنقل محمد على لولاية سالونيك (اليونان) وتولية موسى باشا على مصر، واللي فعلا وصل لميناء الأسكندرية ومعاه جيش من الأنكشارية قوامه 3000 جندي لتنفيذ الفرمان!.. وأظهر محمد علي باشا الإمتثال للفرمان ولكنه تحجج بتمسك الجنود به لحين دفع مرتباتهم المتأخرة، وفي نفس الوقت كلم عمر مكرم انه يرسل وفد من المشايخ للسلطان العثماني يعلنوا التمسك بمحمد علي!..

 في الوقت دا كان محمد بك الألفي نجح في هزيمة جيش حسن باشا اللي انسحب من الفيوم لبني سويف، وتحرك عثمان بك البرديسي من اسيوط لأحتلال المنيا ومقابلة جيش الألفي بك ويدخلوا القاهرة سوا.. بينما يصل وفد من المشايخ (زعماء الشعب) ومعهم ابراهيم باشا (ابن محمد علي) وقنصل فرنسا في مصر اللي اتصل بقنصل فرنسا في الأستانة ونجحوا في اقناع السلطان العثماني بإصدار فرمان بتثبيت محمد علي في ولاية مصر في نوفمبر 1806م على ان يسدد 4000 كيس سنويا (الكيس 500 قرش عثماني) ويظل عنده ابراهيم باشا بن محمد علي لحين سداد أول دفعة (!!) ويوافق الباب العالي لكن (وعشان انجلترا ماتزعلش) طلب منهم يبلغوا محمد علي انه مايتعرضش للمماليك ومنحهم جميعا عفو عام عن كل جرايمهم وحربهم للسلطة العثمانية من أول خسرو باشا!.. في الوقت دا مات محمد بك الألفي وبعده بشهر واحد مات محمد بك البرديسي، ودا كان طبعا من حسن حظ محمد علي باشا لأنه شتت شمل المماليك في البلاد لعدم وجود قائد يجمع شملهم!..

وقررت الحكومة البريطانية بعد خيبة مسعاها في الأستانة التدخل عسكريا في مصر دعما للمماليك، فأرسلت (دون علمها بوفاة الألفي والبرديسي) اسطولا بسيطا يحمل حوالي 4000 جندي من المشاة لميناء الأسكندرية في 17 مارس 1807م بقيادة الجنرال فريزر، وأرسل لفرقة من فرسان المماليك للأنضمام اليها، وإستولى على الأسكندرية وعسكر فيها في انتظار الدعم المملوكي، وجاءت الأنباء بوفاة زعماء المماليك وتقدّم محمد علي باشا على رأس جيش فقرر الأنجليز التقدم وحدها وأرسلوا في 31 مارس كتيبة 1500 جندي للأستيلاء على رشيد، وعلم حاكمها علي بك السلانكلي بتقدم الأنجليز، فأمر بإخلاء الطرقات من المارة وأمر حامية رشيد باللجوء لمنازل العامة وفوق اسطح العمارات والأستعداد بالبنادق!.. وبعد دخول الكتيبة الأنجليزية الى شوارع رشيد فوجئوا بخلو الطرقات وظنوا ان الأهالي قد هجروا مدينتهم ولاذوا بالفرار، فجلسوا يستريحون من عناء الطريق والرحلة وعندها أذن مؤذن من على مئذنة المسجد ففتحت المشربيات وأطلت منها البنادق تحصد الجنود الأنجليز فتشتت شملهم وهلك منهم حوالي 500 مابين قتيل وجريح!!.. وفر معظمهم خارج المدينة فنزلت الحامية وطاردتهم الى أن أجلتهم عن المدينة تماما..

رشيد

10153213_524456344322338_8572593155658665988_n

وأرسل فريزر جيش اخر للأستيلاء على رشيد ليتمكن من دخول فرع النيل والتقدم للقاهرة، ولقطع الطريق عليها ذهب يستولى على الحماد، وهناك إلتقت قوات الأنجليز مع جيش محمد علي في 20 ابريل فانسحب الأنجليز للأسكندرية بعد ان فقدوا اكثر من 900 بين قتيل وجريح!!.. وتابعت قوات محمد علي الأنجليز الى الأسكندرية وحاصروها، وفي 14 سبتمبر تم ابرام معاهدة الجلاء بعد ان تعهد محمد علي باطلاق سراح الأسرى الأنجليز ورحلوا الى صقلية في 25 سبتمبر، وبهذا تخلص محمد علي من أول عائق في طريقة للأنفراد بالسلطة .. الإنجليز!…

كان تعهّد محمد علي لزعماء الشعب من بداية حكمه أن تكون لهم سلطة رقابية على قراراته واحكامه، وقدموا له العون أمام السلطة العثمانية اكثر من مرة، ولكن وبمجرد استقرار الأوضاع بزوال زعامة المماليك وانزواءهم في جنوب الصعيد وجلاء الأنجليز، فبدأ ينظر بقلق للزعامة الشعبية وخاصة السيد عمر مكرم والذي وقف يطالبه وبقوة بتخفيف الضرائب التي فرضها في يونيو 1809م، فانتهز محمد علي فرصة محاولة بعض المشايخ التقرب منه وطلب منهم الأحتيال للأيقاع بعمر مكرم بالعبث في كشوف الأشراف (آل البيت النبوي) وهي مسئولية نقيب الأشراف طبعا!.. وكان محمد على قد اعد كشف بمصروفات مرسل للأستانة يشتمل على مصروفات الجباية عن بعض اموال قديمة، وطلب من زعماء الشعب التوقيع على الحساب كشهداء على صدق ماجاء به، فوقع المشايخ إلا عمر مكرم الذي شكك في بعض محتويات الحساب مما أزعج محمد علي جدا، فاتهم عمر مكرم بالأنحياز للمماليك حين هاجموا القاهرة وتصدى لهم الرناؤوط، وأوعز للمشايخ بأن قدموا بعض كشوف انساب الأشراف تحتوي بعض اليهود والنصارى وادعى ان عمر مكرم أضافهم للكشف بمقابل مالي!.. واعتقل عمر مكرم ونفاه الى دمياط وحدد اقامته ببيت هناك. وبزوال سلطة عمر مكرم انتهت قوة الزعامة الشعبية وبقى بعض المشايخ المحيطين بمحمد علي وقد استمالهم بالمال والإقطاعات فأطلق الجبرتي عليهم «مشايخ الوقت»!.. وبهذا تخلص محمد علي من ثاني عائق في طريقة للأنفراد بالسلطة .. الزعامة الشعبية!

وفي الوقت الذي ذهب محمد علي يطارد بعض فلول المماليك أرسل السلطان العثماني محمود الثاني يطلب منه تجهيز حملة لمحاربة الوهابيين في نجد والحجاز ويعده لو نجح في دحرهم سيصدر فرمان بجعل ولاية مصر وراثية في أكبر افراد اسرته الذكور، فخاف محمد علي ان يخرج في الحملة فينتهز المماليك الفرصة ويستولون على مقاليد الأمور في مصر!.. فقرر أن يرسل الحملة بقيادة ابنه طوسون، وأن يقضي على المماليك نهائيا قبل خروج الحملة. فدعاهم الى وليمة كبيرة يوم الجمعة 1 مارس 1811م وامر جنوده بحصدهم بالرصاص في مذبحة شهيرة راح ضحيتها أكثر من 400 مملوك سبق أن ذكرناها تفصيلا (طالع هنا) غير من طاردهم ابراهيم باشا في الصعيد وحصد ارواحهم!.. وبذلك تخلص محمد علي من ثالث عائق في طريقه للإنفراد بالسلطة .. المماليك!..

محمد علي باشا والي مصر.png

وبعد عودة الحملات العسكرية منتصرة من الحجاز عام 1818م (للمزيد طالع هنا) حصل محمد علي باشا على فرمان من السلطان محمود الثاني بجعل ولاية مصر لأسرة محمد علي وراثية كما وعده وعين ابنه ابراهيم باشا واليا على الحجاز فإنضمت للأدارة المصرية، وبدأ محمد علي خطواته الأساسية في بناء دولة حديثة على النمط الوروبي يحكمها هو وأولاده من بعده.. ودا موضوع تدوينات عديدة قادمة فتابعونا..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، دار المعارف 1987
  • جورج يانج، تاريخ مصر من عهد المماليك الى نهاية حكم اسماعيل تعريب علي أحمد شكري، مكتبة مدبولي 1996م
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار ج3 و4، المطابع الأميرية 1938
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s