كيف حكم العثمانيون مصر؟


دخلت مصر في حوزة الحكم العثماني ابتداءا من العقد الثاني من القرن الـ16 حينما دخلت جيوش السلطان سليم الأول منتصرة من باب النصر وأحكموا قبضتهم على البلاد، وزالت سلطة المماليك التي استمرت 267 عاما (للمزيد طالع هنا)، واستتبع ذلك وضع نظام جديد للحكم وهو الذي رزحت تحته البلاد نحو ثلاثة قرون متعاقبة حتى دخول الفرنسيين.. فكيف حكم العثمانيين مصر؟.. دا موضوع التدوينة النهاردا.. خليكو معانا..

إيالة مصر - الدولة العثمانية.jpg
يقول ابن اياس ان مدة اقامة السلطان سليم في مصر كانت ثمانية اشهر الا اياما قليلة، وقام بتعيين خاير بك (المملوك وكبير الأمراء ونائب الغوري في حلب) نائبا له في مصر مكافأة له على “خيانته”، وترك في القاهرة وحدها حامية من 5 الاف جندي انكشاري و500 من رماة البندق (السلاح الناري) بقيادة خير الدين باشا. ويقول ابن اياس ان الحامية الأنكشارية ثاروا على خاير بك أكثر من مرة وكادوا ان يفتكوا به، وهذا ماكان السلطان سليم يرمي اليه، ان يوجد سلطتين متنازعتين أو أكثر ليضمن بهم بقاء الفوضى في البلاد وبالتالي يضمن تبعيتها للسيادة العثمانية.

مصر-العثمانية-750x422

وكان اساس نظام الحكم العثماني في مصر يتركز أغلب الأحوال في ثلاث سلطات..

  1. الوالي (نائب السلطان): ويلقب بالباشا ومقره القلعة، وهو ممثلا للسلطان القابع في اسطنبول ومنفذا لأوامره ومراقبا على تنفيذها، وله مدة محددة بعام واحد (مالم يصدر فرمان بتجديدها) وسلطاته محدودة مقيدة، نظرا لأن مصر كانت بعيدة عن حكومة العثمانيين المركزية في اسطنبول، فكان السلطان يخشى من استقرارها المشجع على انفصال الحكام.
  2. رؤساء الجند: وكان اغلبهم من الأنكشارية (عسكر الجيش العثماني) وكانوا ينقسمون الى وجاقات (كتائب) منها وجاق المتفرقة وهم حرس الباشا وكبار الأمراء وهم غالبا حرس شرف أو جنود غير مدربين على القتال. ووجاق العِزَب وهم من المشاة ودائمي التنافس مع الأنكشارية، ووجاق الأصباحية وهم فرسان مقاتلين ومستقلين عن سلطة الوالي، ووجاق الشاويشية وهم كتيبتان من الجند، ووجاق الأنكشارية وهم مستقلون ايضا عن سلطة الوالي ومعسكرهم بالقلعة منفصل عن قصره ونفوذهم كبير وسلطاتهم واسعة ولهم ان يجمعوا اتاوات من التجار وملاك الأراضي دون الرجوع لأحد.
  3. المماليك: وهم الأمراء الذين دخلوا في طاعة السلطان سليم منذ دخوله لمصر شريطة الا يتخذ بشأنهم قرار، ويسميهم العثمانيين (الأمراء المصرلية) ونظرا لخبرتهم السابقة بطباع الشعب المصري فقد اسندوا لهم حكم الأقاليم بنفس التقسيم القديم فصار كل اقليم او مديرية تسمى (سنجق) يحكمه بك أو أمير من المماليك، وهم مديريات الشرقية والغربية والمنوفية والبحيرة وجرجا، أما حكام القليوبية والمنصورة والجيزة والفيوم فكانوا من الكشافين وهم وكلاء للبكوات في حكم تلك المدن، والكشاف وان كان اقل مرتبة من السنجق أو البِك ألا ان سلطاتهم واحدة. وكان لكل مديرية ديوان خاص بها يتألف من شوربجية أو مستشارين البِك. الى جانب بعض كبار موظفي الحكومة وكانوا يسمون (الكخيا) او (الكتخدا) وهم نائب الوالي والدفتردار (وزير المالية والسجلات) والروزنامي وهو بمثابة ادارة الخراج وضبط حساباته، وأمير الحج وهو الموكل بقيادة قافلة الحجيج من مصر وما حولها، وكذا توزيع الصدقات والهدايا المرسلة لبلاد الحرمين الشريفين، والخازندار وهو أمين خزانة مصر المكلف بحمل الخراج سنويا لأسطنبول، والقبودانات (القباطين) وهم حكام ورؤساء مواني اسكندرية ودمياط و السويس وكان تعيينهم بمرسوم خاص من السلطان لما كانت لتلك المواني من الأهمية.

مصر-العثمانية-1-750x422.jpg

ومع الوقت انفرد المماليك بالحكم مع الوقت، اضافوا منصب جديد صار يصارع الوالي والسناجق في حكم البلاد، وهو منصب (شيخ البلد) وكان يتولاه كبار امراء المماليك وشيئا فشيئا كان هو الحاكم الفعلي لمصر كما كان علي بك الكبير (للمزيد طالع هنا) فصار تعيين الولاة وعزلهم بتدبير شيخ البلد وأمراء المماليك، وصار الباشا العثماني القادم من تركيا حبيس القلعة لا ينزل القاهرة الا نادرا وبإذن من شيخ البلد، كما عبث المماليك ايضا بالضرائب فصاروا لا يدفعون الا ما راق لهم ويمنعون ما يريدون بحجة الأنفاق على البلاد.

1004-coffeescenecairo18th

وكانت هناك بعض الوظائف الكبيرة مثل (المعمارجي باشا) وهو المسئول عن متابعة انشاءات وترميمات المباني الحكومية و (القافلجي) باشا ووظيفته التفتيش على القوافل من والى مصر، و(المحتسب) وهي وظيفة قديمة ووظيفته مراقبة الأسواق والتفتيش على السلع والتجار لمنع الغش، و(امين العنابر) وهو بمثابة امين مخازن الحكومة والتي تحتوي الغلال والضرائب و(أغوات القلاع) وهم قادة حامية اي قلعة و (ولاة الشرطة) وكانوا ثلاثة في القاهرة ومصر القديمة (الفسطاط) والجيزة وهم بمثابة حكمدار المدينة، و(أفندية الروزنامة) وهم كُتَّاب الخراج.

kan gomrok(2)

وكانت مصر من اهم إيالات (ولايات) الدولة العثمانية، فكان واليها لا يصدر مرسوم بتعيينه الا بعد دفع مبلغ 500 ألف ريال للخزانة السلطانية، واذا اراد الباشا تجديد ولايته فعليه ان يرسل للسلطان هدايا في حدود 100 الف ريال غير هدايا من البن والسكر والأرز والشراب والحلوى والغلال خلاف الخراج وونفقات قافلة الحجيج والجنود!.. في مقابل تلك النفقات يتصرف الباشا في ايراد مصر كيفما شاء وله أن يقبض تركة المتوفين بلا عقب (دون وريث)، فكان اغلبهم يتحصل على أكثر من 12 مليون ريال سنويا طبقا لما ذكره مسيو دي مايليه قنصل فرنسا العام في مصر عام 1692م في كتابه (رسائل عن مصر) . ويصف الجبرتي استقبال أحد ولاة مصر في القرن الثامن عشر أنه كان يصل الى الأسكندرية أو رشيد قادما من الأستانة، وكان يركب النيل الى القاهرة وينزل في بولاق، فكان يقابله شيخ البلد وكبار امراء المماليك والأنكشارية والأعيان والتجار ومشايخ الأزهر ويقدمون له الهدايا ويظهرون له الإحترام والطاعة، وتضرب المدافع عند قدومه ويسير في موكب مهيب للقلعة، ويظل قابعا بها لا ينزل المحروسة الا نادرا وبأمر شيخ البلد.. (!!)

20-%d9%85%d9%88%d9%83%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%89

وقد عامل العثمانيون مصر بنظام الإلتزام، فقد اعتبر السلطان سليم نفسه في البداية المالك الوحيد لكل الأراضي والعقارات التي في مصر، وكان على كل منتفع ان يدفع مبلغا سنويا من المال نظير استغلال دكانه او أرضه أو داره (منزله) أو خلافه. ومع تزايد سطوة المماليك في البلاد شيئا فشيئا تم منح كل مملوك رقعة من الأرض (اقطاع) نظير إلتزامه بدفع مبلغا من المال للخزانة (الخراج) سنويا وأخرا للوالي على ان يتصرف في ايراد العقارات والمحصول والمحلات كيفما شاء، فيتخلص العثمانيون من فخ التهرب من الضرائب أو الجزية السنوية. وكانت الضرائب تنقسم الى ضريبة الخراج وتسمى (الميري) وهي خاصة للسلطان، وضريبة الكشوفية ومخصصة للبك حاكم الأقليم، وفائض الألتزام وهو للإقطاعي أو الملتزم، وبعض الأتاوات لعسكر الأنكشارية أو الشرطة ويلتزم بها كبار التجار والأعيان وبعض الأهالي. فكانت تلك الضرائب كثيرا ما ترهق الفلاح ويتشدد جند الوالي والملتزمون في تحصيلها بالقوة، وكانت تصل في اغلب الأحيان الى ثلثي محصول ارضه، كما كانت تصل الى نصف حمولة القافلة التجارية أو تزيد، فكسدت التجارة اغلب الأوقات وتدهورت الحالة الأقتصادية.

edward_daniel_clarke_the_courtyard_of_the_attarine_mosque_in_1798_after_vivant_denon_from_the_tomb_of_alexander_cambridge_1805

وظل النظام القضائي على ماكان عليه منذ عهد المماليك، فكان يتم تعيين اربع قضاة على المذاهب الأربعة مع ارتفاع شأن قاضي الحنفية (قاضي القضاة) بدلا من الشافعية، نظرا لأن المذهب الحنفي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية. ولما تولى السلطان سليمان القانوني أبطل نظام القضاة الأربعة وعين قاضي تركي منفرد يسمى قاضي مصر وصار له نوابا من المالكية والشافعية والحنابلة وكان لا يعرف العربية فتعين له ترجمانا ليترجم له القضايا ويتكلم مع العامة وشيئا فشيئا صار الترجمان هو المتحكم في نظر القضايا والقاضي يعتمد احكامه، ولكن مع الوقت عاد نظام القضاء على المذاهب الأربعة كما كان حينما ضعفت قبضة العثمانيين على البلاد وعاد الحكم الفعلي في ايدي المماليك بمطلع القرن السابع عشر. وكانت مناصب القضاء تباع وتشترى وتعرض في سوق المساومة لمن يدفع أكثر وذلك في نظير مبلغا من المال يقبضها القاضي نظير النظر في كل قضية، فساد الظلم وهان مقام القضاة عند الناس وصار من له حق لا يسعى خلفه لأنه يعلم ان الغلبة لمن يدفع!..

وقد تأثرت البلاد تحت هذا النظام المشوه اثرا كبيرا، فقد أهمل الولاة العناية بالترع والمصارف وتطهيرها وتُرِكَ ذلك للملتزمين يقومون بها على نفقتهم الخاصة ان شاءوا، فقل انتاج الأرض وهجر الفلاحون اراضيهم ونزحوا للعيش في المدن والمواني (البنادر) فازدحمت بهم اسواق العمل الأخرى، كما فتكت الأمراض والأوبئة بالناس وحصد الطاعون كثيرا من الأرواح غير مرة لعدم وجود عناية طبية ولا اطباء وتُرِكَ الناس تحت رحمة المنجّمين والعطارين والحلاقين. كما رزح الشعب تحت نير العبودية حينما عدِمَت المدارس ولم يبق سوى الجامع الأزهر فقط الذي لولاه لأنطفأت شمعة لعلم من مصر، وكذا بعض الكتاتيب الملحقة بالمساجد، فتفشى الجهل في البلاد وعمت الأمية في سائر الشعب وندر عدد المتعلمين وذَوَت العلوم بعد ان كانت زهية زاهرة وجَمُدَت القرائح وقل عدد الشعراء والأدباء وركدت حركة العلم، يقول علي مبارك باشا في الخطط التوفيقية ج1:

“ابتداءا من القرن التاسع الى القرن الثاني عشر (يقصد الهجري) يعني مدة ثلاثة قرون اُهمِلَ امر المدارس وامتدت ايدي الطُمَّاع الى اوقافها وتصرَّف النُظَّار فيها على خلاف شروط وقفِها وامتنَع الصَّرف على المُدرسين او الطلبة والخدَّام فأثروا مُفارقتها وصار ذلك يزيد في كل سنة حتى انقطع التدريس فيها بالكلية، وبِيعت كُتُبها وانتُهِبَت وامتدت ايدي النَّهب الى بيع رُخامها وخشبها فصارت اثراً بعد عين ولله عاقبة الأمور..”

في تلك الحالة المذرية عاشت مصر لأكثر من ثلاثة قرون حتى جاءت جيوش الإحتلال الفرنسي للبلاد لفترة ثلاث سنوات، واتى بعدها محمد على باشا واليا على مصر فتغيرت الصورة.. ولنا فيها تدوينات كثيرة فتابعونا..

لطفا لا تنسى نشر التدونية لعموم الفائدة، وتقييم المقال باعلى الصفحة ولا تبخل علينا بمتابعة المدونة وحساباتنا على مواقع التواصل الإجتماعي .. وشكرا.

مراجع:

  • ابن اياس الحنفي، بدائع الزهور .. ج5، الهيئة العامة للكتاب 1982
  • موسى موسى نصر، صفحات مطوية من تاريخ مصر العثمانية، الهيئة العامة للكتاب 1998
  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دار المعارف 1987
Advertisements

3 thoughts on “كيف حكم العثمانيون مصر؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s