مقتل عثمان (رضي الله عنه)، وموقف أهل مصر


في شهر المحرم سنة 24 هـ (644م) بويع عثمان بن عفان رضي الله عنه باجماع الصحابة (اهل الحل والعقد)، خليفة للمسلمين بعد اغتيال عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولكن بعد فترة من تولية الخليفة الجديد بتحدث ثورات في بلاد عديدة (مصر والكوفة والبصرة) وتأتي الحشود لمحاصرة الخليفة عثمان في بيته وينتهي بمقتله!.. ايه اللي حصل؟.. وليه الناس دي عملوا كدا؟.. دا موضوع تدوينة اليوم، وهانناقش الأمر من منظور تاريخي بحت مع حفظ كامل الأحترام والتوقير والتبجيل لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. خليكو معانا شوية.

الفتوحات الأسلامية

كان عمرو بن العاص هو والي مصر في الوقت دا (للمزيد راجع هنا)، وكان الخليفة عمر رضي الله عنه وصّى قبل وفاته إن ماحدش من ولاة الأمصار يتم عزله قبل سنة، عشان ماحدش يضطَرب من أمور المسلمين، فاستجاب عثمان رضي الله عنه وأبقى عمرو بن العاص على ولايته ولكن امره بالكف عن غزو بلاد افريقيا واللي كان اخضع منها برقة وجزء من الساحل الليبي، وكانت عملية التوسعات في الوقت دا مكلّف بيها عمال الأمصار (الولاة) مش الخليفة. لكن الخليفة عثمان تخطى عمرو بن العاص والي مصر وأرسل جيش لغزو افريقية (تونس والجزائر وقتها، وبلاد النوبة جنوبا)، وكان بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح وكان اخو الخليفة عثمان في الرضاعة، وبيحدثنا الطبري في (تاريخ الملوك والأمم ج4، حوادث سنة 27 هـ) ان الخليفة عثمان وعد ابن ابي السرح وحده بخمس الخمس من الغنائم (يعني 4%) وطبعا غضب عمرو بن العاص لتجاهل الخليفة له، لكنه ماخدش اي رد فعل حتى رجوع ابن ابي السرح من غزواته، فكافأه الخليفة عثمان بتوليته جمع الخراج (المسئولية المالية) في افريقية ومن ضمنها مصر، فتعارض دا طبعا مع اختصاصات الوالي عمرو واشتبكوا معا، فعزل الخليفة عثمان واليه عمرو بن العاص وولى مكانه عبد الله ابن ابي السرح ولاية مصر واطلق يده في الأدارة زي ماهوا عايز.. وحزن عمرو بن العاص لما فعله الخليفة، ورجع لبيته في مكة رافضا اي عمل اداري.

73731_430323593725931_427018485_n.jpg

وكان ابن أبي السرح، زي مابيقول الطبري برضه، شديد في معاملة المصريين فزود عليهم الضرائب وتشدد في جمعها منهم، وبيحكي د. حسين فوزي عن اول سنة بيتولاها ابن ابي السرح لما رجع بخراج مصر زايد عن ايام عمرو بن العاص، فقال الخليفة عثمان محدثا عمرو في حضور ابن أبي السرح: “لقد درَّت اللقحة من بعدك يا أبا عبد الله”!.. فرد عمرو بن العاص: “ولكنها أضرت بوليدها يا أمير المؤمنين”!.. (حسين فوزي، سندباد مصري جولات في رحاب التاريخ) وطبعا يقصد ان زيادة الخراج كانت اقتطاع من قوت الناس وهما مش مستحملين كدا!..

Uthman

وفي مصر عام 35هـ (656م) كان الوضع ملتهب!.. عبد الله بن ابي السرح يشتد في معاملة المصريين يوما بعد يوم وماعادش حد مستحمله ولا مستحمل شدته، فقرر العامة ارسال وفد من اهل مصر (بيقول الطبري انهم بلغوا 600 رجل، وبيقول ابن كثير: “المُقلل لهم يقول ستمائة والمُكثر يقول ألفا..”) للشكوى للخليفة عثمان في المدينة، (وكان اغلبهم من قبائل اليمنيين والكنديين اللي استوطنوا مصر بعد الفتح وليسو من اهل مصر الأصليين من الأقباط) وكتموا وجهتهم عن الوالي وخرج الوفد من الفسطاط بحجة اداء العمرة عشان ماحدش يمنعهم، ورغم ذلك علم ابن أبي السرح بأمر القوم فأرسل يخبر الخليفة عثمان من قبل مايدخلوا عليه، فأرسل اليهم عثمان وفد من اهل المدينة للقاءهم خارجها، كان منهم الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه ومحمد بن مسلمة الأنصاري لتهدئة القوم، وبعدين قابلوا الخليفة عثمان وسمع منهم شكوتهم ووعدهم بتنفيذ طلبهم بكف يدي الوالي عنهم وقطع على نفسه عهداً، فاستحسن المصريون كلامه وغادروا المدينة عائدين لديارهم. لكن بعد عودتهم تلقاهم عبد الله بن سعد بن ابي السرح على مشارف الفسطاط وأمر باعتقالهم واوسعهم ضرباً (انساب الأشراف ج6 ص134، للبلاذري) حتى قُتل منهم رجلا من شدة التعذيب، وطار الخبر يمينا ويسارا مع رحلات التجارة بين مصر والشام والعراق، وغضب المصريين على أميرهم وشاركهم الغضب اهل البلاد الأخرى، وطبعا انتظر المصريين تحقيق الخليفة عثمان ماوعدهم بعزل ابن ابي السرح أو حتى كف يده ولكن ماحصلش!.. فتواعد المصريين مع اهل الكوفة والبصرة انهم يخرجوا للمدينه سوياً لمقابلة الخليفة مرة تانية وتكرار الشكوى، وكان دا في شوال من نفس السنة (35 هـ / 656م). وما إن وصلت وفود الشاكين (الثوار) إلى ضواحي المدينة، طلب الخليفة عثمان من علي رضي الله عنه ان يخرج لهم مرة تانية فرفض!.. لأن عثمان ماحققش اللي هوا وعد بيه سابقاً، فطلب من محمد بن مسلمة انه يخرج لهم ورفض هوا كمان وقال: “والله لا اكذب الله في السنة مرتين” (تاريخ الملوك والأمم ج4، حوادث سنة 35 هـ).

0 (1)

وننتقل لكتاب البداية و النهاية ج5 حوادث سنة 35 هـ بيقول الحافظ ابن كثير ان الثوار من اهل مصر (بيسميهم الخوارج) لما قابلوا الخليفة عثمان وفكروه بوعوده واخبروه بقتل رجل منهم على يد جند الوالي ابن أبي السرح، فاضطر انه يعزله ويولي بدلا منه محمد بن أبي بكر الصديق، واللي كان قد احتوى غضب الجمع من اهل مصر واخدهم في طريقه ورحل قاصدا مصر في الحال لتولي أمرها، وأثناء ماكانوا في أول الطريق شافوا رجلا يركب بعير (الطبري بيقول نقلا عن ابن اسحق انه كان اسمه أبو الأعور السلمي، وكان يركب ناقة لعثمان) وكان بيهمّ في المسير فاستوقفوه وفتشوه فوجدوا معه رسالة مختومة بختم الخليفة وموجهة لعبد الله بن سعد بن ابي السرح بقتل عبد الله بن ابي بكر فور وصوله الى ارض مصر!.. فانزعج الناس ورجعوا تاني للمدينة، وعرضوا الرسالة على اهل المدينة يستنفروهم ضد الخليفة، فارسلوا يسترجعوا اهل العراق اللي كانوا راجعين لبلادهم هما كمان انهم يرجعوا تاني للمدينة لأن الخليفة غير كلامه (!!) ودخلوا المدينة وفاجئوا من فيها، ودخلوا على الخليفة وقالوا له: “هل هذا غلامك” (يقصدون حامل الكتاب)؟ فقال: “نعم انه غلامي ولكنه انطلق بغير علمي” (!) قالوا: “هل هذا بعيرك”؟ قال: “أخذه من الدار بغير أمري” (!) قالوا: “هل هذا خاتمك”؟ فقال: “نُقِشَ عليه” (!) فقالوا له: “إن لم تكتب أنت الكتاب فسلِّمنا من كتبه”.. فامتنع عثمان واعتبره خروجا على ولي الأمر. والرواية منقولة من تاريخ الطبري وابن الأثير بتدقيق في حين بيحكي ابن كثير القصة نفسها على ان المصريين اختلقوها عشان يعموا لنفسهم المبرر للخروج على الخليفة عثمان (!!)..

تعريف_حروب_الردة

وهنا ارتفعت مطالب المعارضين (الثوار) وانضم اليهم بعض من اهل المدينة ومن الصحابة رضوان الله عليهم فطالبوا الخليفة انه يعتزل، ويولي أهل الحل والعقد من كبار صحابة المسلمين خليفة جديد بدلا عنه. فرفض الخليفة عثمان رضي الله عنه وقال: “والله لا أخلع ثوبا سربلنيه الله”!.. وماكان من الثوار الا انهم اعتصموا في طرقات المدينة حتى تنفذ مطالبهم. في الأثناء دي كتب عثمان إلى عماله (ولاة الأمصار) في الشام والكوفة كتابا يدعوهم فيه إلى إرسال مقاتلين ينصروه على الخوارج (!) وعرف الثوار (أو الخوارج زي مابيسميهم) بامر الكتاب فازداد غضبهم على الخليفة وحاصروه في بيته ومنعوه من الخروج منه (!!) فصعد عثمان  رضي الله عنه على منبر المسجد النبوي يلعن الثوار، ويدعو الناس من بني أميه ومن أهل المدينة إلى قتالهم نصره لخليفة رسول الله!.. فتشاجر القوم بالايدي حتى ضربوا عثمان (وكان قد تخطى الثمانين من عمره)، بعد ان كسر احدهم عصاته على ركبته، فسقط الخليفة مغشيا عليه وحملوه إلى بيته، وضرب الثوار حصارا على بيته ومنعوه من الخروج منه.. (ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج3 – ذكر حادثة مقتل عثمان) وازدادت الأمور تأزما بعد ان قُتل احد الثوار بسهم اُطلق من ناحية منزل عثمان (!) فقالوا لعثمان: “إدفع إلينا بمن اطلق السهم فلنقتله!”، فقال: “لم أكن لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي” (!!) وهنا ازداد الغضب فاقتحم الثوار دار الخليفة عثمان وتشابكوا مع اهله فأصيب عبد الله بن الزبير بجراحات كثيرة وسقط مروان بن الحكم مغشيا عليه وظنوا انه مات ودخلوا إلى عثمان فقتلوه. وكان دا في يوم الجمعة 18 ذى الحجة سنة 35 هـ (656م).

مقتل عثمان بن عفان.jpg

وتولى من بعده الأمام علي بن ابي طالب وهو كاره للخلافه، ولكن كبار الصحابة اقنعوه بأن يتولى درءا للفتنة، فقبل الأمر ونقل مقر الخلافة للكوفة لكثرة انصاره هناك، واقرَّ بتوليه محمد ابن ابي بكر واليا على مصر (وقد صار احد المتهمين بقتل عثمان رضي الله عنه)، فعاد مع اهل مصر يباشر مهام منصبه.

First_Fitna_map_blank

وانقسم العالم الأسلامي الى قسمين، قسم يُقر بتولية علي بن ابي طالب خليفة على المسلمين وفيه اغلب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقسم يرفض تولية الخليفة قبل القصاص من قتلة عثمان وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وبني أمية جميعا، وانضم عمرو بن العاص الى حلف معاوية لما نظره ببصيرته من رجوح كفته على خصومه واشترط عليه ان يوليه مصر لو استتب له الأمر، فخرج عام 38 هـ على رأس جيش من اهل الشام وحارب محمد ابن ابي بكر في مصر وقتله انتقاما لعثمان، وتولى حكم مصر الى ان مات عام عام 62 هـ

دا كان استعراض سريع لموقف (اهل مصر) من فتنة مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه زي ما وردت في أغلب كتب التراث على اصح الروايات اللي اجتمع عليها المؤرخين، جدير بالذكر ان المقصود بأهل مصر هم العرب الذين قدموا من بلادهم واستوطنوا مصر بعد الفتح وليسو اهلها من المصريين الأقباط اللي ماكان لهم في الأمر ناقة ولا جمل!.. حاولنا اننا نناقش الأمر بمنتهى الحيادية، فأوردنا روايات المؤيدين والمعارضين دون انحياز لأي فريق رضوان الله عليهم اجمعين ..

مصادر:

  • البداية والنهاية ج5، الحافظ ابن كثير
  • الكامل في التاريخ ج3 – ابن الأثير
  • تاريخ الملوك و الأمم ج4 – ابن جرير الطبري
Advertisements

5 thoughts on “مقتل عثمان (رضي الله عنه)، وموقف أهل مصر

  1. عثمان إتمسك بالخلافة عشان يعوض اللي المبالغ اللي دفعها في بداية الدعوة .. سبوبه ياجماعة ؟؟ واهل مصر والشام والعراق دفعوا ثمن الاحتلال العربي قصدي الفتح (لامؤخذة)جزية وخراج وضرايب

    إعجاب

  2. قصدت قراءة قصة عثمان بن عفان من كل مصادر التاريخ على اختلاف مشاربها . هذا الرجل ليس أهلا حتى لأن يكون مسلما محترما منصفا بل هو لص لصالح جماعته ومستحيل ان يكون مرضي عنه من الله انما ختم حياته بشر الاعمال وبشرى السوء ولا حول ولا قوة الا بالله

    إعجاب

  3. عثمان ابن عفان ذو النورين رضي الله عنه اللهم اجمعني به في جنات نعيم ولعن الخوارج كلاب النار

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s