تاريخ “البغاء” في مصر عبر العصور +18 (2)


نتابع سوا اللي بدأناه في التدوينة اللي فاتت، ونكمل كلام عن تطور تجارة “الرقيق الأبيض” في مصر، واللي كنا بدأناها من أول العصر الفرعوني لغاية منتصف القرن ال19. احنا دلوقتي في نهاية عهد الخديوي اسماعيل وبداية عهد الخديوي توفيق وتحديدا عام 1880م، القاهرة اصبحت مدينة كبيرة وتوسعت عن مساحتها ايام محمد علي باشا اكبر من الضعف، احياء جديدة اضافها اسماعيل باشا على النمط الأوروبي وبالذات الفرنسي، لأنه كان متعلم هناك، وبنية تحتية وشبكة طرق وانارة ومياة شرب غيرت منظر القاهرة تماما، الى جانب عدد كبير جدا من الأوروبيين جاءوا للسكن والأقامة فيها وسابوا بلادهم بحثا عن معيشة افضل في مصر اللي اعتبروها بلد ناشئة، ومش بلد عمرها أكتر من 5000 سنة. الأجانب جم بعاداتهم وتقاليدهم وعاشوا بيها في قلب المجتمع المصري وقليل جدا منهم اللي انخرط في المجتمع وخرج من العباءة الخوجاتي.

TAD_KYC_imbaba_map2

طبعا الأجانب ماعجبهومش اوي “بيوت الخواطي” اللي عندنا فابتدوا يبقا لهم “مواخير” خاصة بيهم في أماكن تانية، وفي نفس الوقت ابتدا المجتمع يتضرر من وجودهم فيه بعادات غير العادات، فصدر قانون الضبطية في عام 1880م واللي بيحدد أماكن معينة (في حي الأزبكية وباب الشعرية وشارع كلوت بيه) ومواصفات معينة لبيوت الخواطي زي مثلا:  “ولا يكون للبيت الاّ باب واحد فقط ولا يجوز اتصال بينها وبين مساكن أخرى أو دكاكين أو محلات عمومية منعا لشكوى أرباب العائلات.. وضرورة موافقة قنصل الدولة لرعاياه الاجانب بتصريح مثل هذه الدور والعقوبات التى توقع على المخالفين وكذلك تحديد الحد الادنى لعمر العاهرات واثبات توقيع الكشف الطبى الدورى عليهن.. “

ةال

وبعيدا عن البيوت اللي بيروحوها الناس الهاي، كانت بيوت الدعارة الشعبية في منطقة عرب المحمدي والعزبة السودانية وغيرها، وكانت من ارخص الأماكن سعرا واللي بتوفر الخدمة دي في بعض الأحيان عن طريق حفرة في الأرض بتنام فيها العاهرة وبيغطوها بقماشة كبيرة أو ستارة وبتتثبت بطوب في الأرض، يدخل الزبون ويشدوا عليه الستارة ولما يخلص اللي هوا عايزه يشيلوا الستارة ويطلع واللي بعده يدخل وهكذا!.. أما بقا في الأزبكية فالعملية اكثر ادمية شوية في ظل الفنادق والبيوت اللي معده خصيصا لتقديم الخدمة دي وكانت طبعا بتفرق كتير في السعر عن الشعبية اللي اتكلمنا عنها. وكانت برضه اغلب اسامي الفتيات (طبقا لسجلات حكمدارية بوليس العاصمة عام 1895م) فيها ألقاب كأنها ماركة مسجلة او اسماء شهرة زي مثلا حسنة الطرابية و زينب الفطاطرية و بهية الزايطة و فطومة الاسكندرانية و بمبة العربجية ….الخ. في اسكندرية انحصرت اماكن الدعارة في كوم بكير وجبل ناعسة وشارع طيبة ومنطقة قسم اللبان (مجتمع القاهرة السري 1900 : 1951 – د. عبد الوهاب بكر، 2001)

محل-دعارة

وفي عام 1885 وبعد الاحتلال الانجليزي صدرت لائحة جديدة من مكتب التفتيش علي النسوة العاهرات وألزمتهم بالكشف الدوري عليهم كل 3 شهور في مستشفى الأمراض الجلدية والتناسلية في منطقة الحوض المرصود بالسيدة زينب، مع استثناء (العايقات) اللي كانوا بيعدوا سن الـ50 سنة وطبعا دا كان حرصا علي الصحة العامة لجنود الاحتلال اللي كانوا أكتر ناس بيطلبوا الخدمة دي. وكانوا المندوبين بتوع السَرِيَّة الطبية البريطانية بيقعدوا قدام المواخير عشان يسلموا كل عسكري داخل من الباب “واقي ذكري” وعلبة مرهم وكراسة بالتعليمات.. (!!)

da3ara_29

وبتحكي بعض المصادر عن مذكرات ميجور توماس راسيل حكمدار بوليس العاصمة عام 1917 واللي بيحكي عن واحد اسمه ابراهيم الغربي واللي كان جاي مصر من اسوان في اواخر القرن الـ19 بعد ما انتهت تجارة الرقيق على يد الخديوي اسماعيل، واشتغل في الدعارة في القاهرة وبيؤكد انه في ظرف اعوام قلائل كان بيمتلك اكثر من 15 بيت في اماكن مختلفة وبيعمل فيهم اكثر من 150 بنت، وبيوصف الميجور راسيل المدعو ابراهيم الغربي انه كان مخنث وكريه المنظر:

” نوبي ضخم الجثة سمين. كان يشاهد كل مساء جالسا علي مقعد خارج منازله بشارع عبدالخالق واضعا ساقا علي ساق مرتديا ملابس النساء ومنقبا بنقاب أبيض. كان هذا الفاسد الكريه يجلس كالصنم الأبنوسي الصامت، ويخرج في العادة يدا مغطاة بالمجوهرات ليقبلها أحد المارة من المعجبين، أو معطيا أمرا صامتا لأحد أتباعه من الخدم. كان لهذا الرجل سلطة مذهلة في البلاد. امتد نفوذه ليس فقط في عالم الدعارة، ولكن أيضا في محيط السياسة والمجتمع الراقي، كان شراء وبيع النساء في كل من القاهرة والأقاليم في يد الغربي كلية، ولم يكن قراره بالنسبة للسعر يقبل المناقشة..”

(Cairo’s Underworld – Thomas Russell, 1949)

وبيقول كمان لما مات في السجن عام 1926 ترك وراه 54 منزل بقيمة اكثر من 50 ألف جنيه (بقيمة عشرينات القرن الماضي) وكمية من الأساور (165 سوار) ولألئ وماس وتاج من الدهب كان بيلبسه تم تقديره بمبلغ 3 الاف جنية (برضه سنة 1926) وبدلة تشريفة من خيوط ذهبية كانت قيمتها 500 جنيه!..

994

وفي الربع الأول من القرن العشرين بدأت كازينوهات (أو تياترات أو كباريهات) شارع عماد الدين تبقا مكان جديد لأصطياد زباين جداد وظهرت نوعية جديدة من صور الدعارة من ناحية ان اللي بيشتغلوا في المجال دا بقوا يشتغلوا فنانين ورقاصين في الأماكن دي، والدرجة التانية تبقا بنات شغلتها اغراء الزباين لـ”فتح” مشروبات وخمور مقابل اجور مبالغ فيها أو مراقصة الزباين بأجر، ودا لأن المجتمع بدأ يتطور ويرفض وجود الداعرين لدرجة خلتهم يستَعرّوا من اصلهم، فكان لابد من تغيير الشكل العام، وبالطريقة دي ظهرت صورة عصرية أكتر للمواخير بتاعة القرن الـ19. وكان اكتر رواد الأماكن دي من الأجانب وبعض من الطبقات الراقية ودي طبعا زباين مثالية لممارسة الدعارة والعائد المادي منها كان كبير.

وخلال احداث ثورة عام 1919 بيسجل بعض المؤرخين ان بيوت الدعارة المصرية رفضت استضافة جنود الأحتلال وتقديم اي خدمات اليهم، الى جانب ان القوادين والبلطجية من حماة احياء ومناطق الدعارة كانوا بيمنعوا دخول عساكر الأنجليز الى البيوت، وبيسجلوا الموقف دا كنوع من الوطنية (!!) مما دعى سلطات الأحتلال انها تستورد بنات من روسيا واوروبا الشرقية وغيرها للترفيه عن جنودهم في حين انها منعت البنات والسيدات البريطانيات من امتهان الدعارة في مصر!.. وشوية بشوية بقت القاهرة مركز عالمي لتوريد وتجارة الرقيق الأبيض في النص الأول من القرن العشرين..

1201610202371

في فترة الثلاثينات والأربعينات بدأ الوازع الديني يزيد عند الناس بتنامي نشاط الجمعيات الدينية زي جماعة انصار السنة والجمعية الشرعية والأخوان المسلمين وغيرهم واللي أحرج موقف الأزهر فبدأ هوا كمان يقوم بدوره، ودا طبعا ساعد على ازدياد جبهة الرفض لعملية الدعارة المقننة تحت سمع وبصر الدولة بل وكمان تتكسّب منها وتفرض عليها ضرايب، فبدأت الناس تطلب من نواب الشعب في البرلمان انهم يحدّوا من قانونية الدعارة في مصر، فجاءت جهود النائب المخضرم سيد جلال نائب عن باب الشعرية، واللي بتضم شارع كلوت بك أحد معاقل الدعارة في القاهرة. وفي عام 1949 بيتم تكليل جميع الجهود بالنجاح بصدور مشروع قانون للحد من الدعارة وبيتم اقراره في البرلمان ليصدر عام 1951 القانون النهائي للأداب العامة واللي بتمشي عليه مصر لغاية النهاردا، واللي بيعتبر اي صورة من الدعارة شيء مجرم يستحق فاعلها السجن!.. وبعد ثورة 1952 ورحيل الملك وبداية عصر الجمهورية، في عام 1958 أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرار بإلغاء الدعارة في سوريا ضمن حكومة الوحدة، لتنطوي بالكامل صفحة الدعارة المقننة في مصر وسوريا وتبدأ صفحة جديدة من الدعارة غير المقننة اللي بيطاردها بوليس الأداب في كل مكان.

prostitute-620x330

في الوقت المعاصر بتدار الدعارة من خلال شبكات لأصطياد السياح الأجانب في الفنادق والأماكن السياحية وبشكل مستتر وبعيد عن أعين الشرطة واللي بطبيعة الحال مابتدخلش الأماكن السياحية الا بتحريات واخباريات مؤكدة، ودي بتبقا قليلة جدا عشان السياحة!.. وعلى النطاق الشعبي موجودة برضه في صورة مواسم في المصايف بالأسكندرية والساحل الشمالي، واغلب اوقات الشتاء وباقي العام بالقاهرة والأقصر وأسوان.. ولكنها ايضا مطاردة من شرطة الأداب ومجرمة وتقارير الأمن السنوية بتتكلم عن اعداد كبيرة جدا من الفتيات يتم ضبطها كل عام، مما دعى البعض في العصر الحديث انها تطالب باعادة تقنين الدعارة للسيطرة عليها زي المخرجة المثيرة للجدل ايناس الدغيدي، واللي بتقول ان تقنين الدعارة بيكون ادعى لعدم تفشي الأمراض السرية، لكن في الواقع ان من بعد زيادة الوعي الديني بين الناس من فترة السبعينات ايام حكم الرئيس الراحل أنور السادات لغاية دلوقت، لم يعد المجتمع يقبل بحماية الدولة للمومسات والغواني زي زمان بأي حال من الأحوال!.. وبيعتبر المطالبة بالكلام دا نوع من الأنتحار الأخلاقي والأجتماعي، واكبر دليل على كدا رد الفعل على مواقع التواصل الأجتماعي وفي الميديا.

اعلام العار

واذا كانت رعاية الدولة زالت عن الدعارة الجسدية، فهي مع الأسف لازالت موجودة وترعى انواع اخرى من الدعارة اخطر واشد تأثيرا على المجتمع، كالدعارة الإعلامية والدعارة السياسية.. والتي تدمر المجتمع تدميرا سريعا وتسيب فيه اثر لا يحدثه جيش من المومسات والعاهرات..

لطفا لو عجبتك التدونية تشيرها لغيرك عشان الفايدة منها تعم، وماتنساش تعمر فولو للمدونة ولحساب تويتر اللي تحت.. وشكرا..

Advertisements

7 thoughts on “تاريخ “البغاء” في مصر عبر العصور +18 (2)

  1. مدونة تستحق الاحترام لما بذلت من جهد ولكن لي عتب واحد الا وهو ليما يتوجب علي وضع ايميلي وهاتفي وكلمه السر خاصتي الحقيقة هذا اشعرني بتحقيق مما جعلني ابتعد عن المتابعه او د شكركم وعذرا لن اشترك

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s